آريان ابراهيم شوكت: طهران تنزف وتل أبيب تهتز : اقتراب لحظة الحسم أم بداية الانفجار الأكبر ؟ 

آريان ابراهيم شوكت

لم تعد الحرب الدائرة ضد إيران مجرد جولة عسكرية محدودة يمكن احتواؤها بضربات جوية أو تهديدات سياسية عابرة، بل تحولت في أيام قليلة إلى واحدة من أخطر لحظات الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة؛ لحظة تختلط فيها الصواريخ بالحسابات الكبرى، وتتقاطع فيها إرادة الحسم العسكري مع حدود الردع، وتتكشف معها حقيقة مرة مفادها أن المنطقة دخلت طورًا جديدًا من الصراع، عنوانه الأبرز: حرب الاستنزاف المفتوحة.

التطورات الأخيرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، أظهرت بوضوح أن المواجهة تجاوزت فكرة “الضربة التأديبية” أو “الرد الموضعي” (على حد وصفهم) وانتقلت إلى مستوى أكثر تعقيدًا وخطورة. فتكثيف القصف الصاروخي بين الطرفين، وتوسّع بنك الأهداف، وتصاعد اللهجة السياسية، كل ذلك يشير إلى أن الحرب لم تعد تُدار فقط بعقلية الردع التقليدي، بل بمنطق كسر الإرادات، حيث يسعى كل طرف إلى إثبات أنه قادر على الصمود أكثر، والإيلام أكثر، وتحمل الكلفة أطول.

في هذا السياق، جاءت تهديدات الرئيس الامريكي دونالد ترامب الأخيرة لتدفع المشهد نحو مزيد من التوتر، بعدما رفع سقف الخطاب إلى مستويات قصوى، ملوّحًا بضربات أشد وأوسع إذا لم تتراجع إيران أو تستجب للشروط الأميركية. لكن المعضلة الأساسية في الخطاب الأميركي تكمن في أنه يجمع بين نقيضين: التصعيد إلى أقصى حد، والإيحاء في الوقت نفسه بأن باب التسوية ما زال مفتوحًا. وهذا الأسلوب، وإن كان يعكس منطق الضغط الأقصى، فإنه يكشف أيضًا أن واشنطن، رغم تفوقها العسكري، لا تملك حتى الآن ضمانة حقيقية بأن المزيد من التدمير سيقود بالضرورة إلى استسلام إيراني سريع، أو إلى نهاية نظيفة للحرب.

إيران، من جانبها، تبدو وكأنها حسمت خيارها السياسي والعسكري في هذه المرحلة: عدم التراجع تحت النار. فهي تدرك أن أي انكسار سريع أمام الضربات الأميركية – الإسرائيلية سيُقرأ داخليًا وخارجيًا بوصفه سقوطًا استراتيجيًا، لا مجرد خسارة عسكرية. لذلك، فإن الرهان الإيراني لا يقوم على تحقيق “نصر كلاسيكي” بالمعنى المعروف، بل على منع خصومها من تحقيق نصر حاسم وسريع. وهذا هو جوهر المعركة الآن. فطهران، حتى وهي تتلقى ضربات قاسية ومؤلمة، ما تزال قادرة على إبقاء الجبهة الإسرائيلية تحت الضغط، وعلى مواصلة إطلاق الصواريخ والمسيّرات، وعلى تحويل الوقت نفسه إلى عنصر من عناصر قوتها.

وهنا تظهر المفارقة الأشد تعقيدًا في هذه الحرب: إسرائيل تمتلك القدرة على الضرب العميق، لكنها لا تمتلك بسهولة القدرة على الإنهاء الكامل. نعم، التفوق الجوي والاستخباري الإسرائيلي – الأميركي هائل، ونعم، البنية العسكرية الإيرانية تتعرض لتآكل حقيقي، لكن ذلك لا يعني أن إيران فقدت قدرتها على الرد أو أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية أصبحت في مأمن. فتكثيف الضربات الإيرانية باتجاه تل أبيب، وما تحمله هذه الضربات من رسائل نفسية وسياسية قبل أن تكون عسكرية، يضع إسرائيل أمام معضلة مزدوجة: كيف تستمر في التصعيد إلى أقصى حد، من دون أن تتحول هي نفسها إلى ساحة استنزاف داخلي طويل؟

الحقيقة أن تل أبيب، رغم قوتها، لا تواجه فقط خطر الصواريخ، بل خطر تآكل صورة الردع التي بنت عليها استراتيجيتها لعقود. كل صاروخ يصل إلى العمق الإسرائيلي، وكل إنذار يتكرر في المدن، وكل تعطيل يصيب الحياة الاقتصادية أو المرافق الحيوية، لا يُقاس فقط بحجم الدمار المادي، بل بحجم التأثير التراكمي على ثقة الجمهور، وعلى صورة الأمن التي طالما قدّمتها المؤسسة الإسرائيلية بوصفها إحدى ركائز شرعيتها الداخلية. ولهذا فإن إسرائيل، وهي تصعّد في الجو، تجد نفسها في سباق مع الزمن: تريد إضعاف إيران بأكبر قدر ممكن قبل أن تتحول الحرب إلى عبء ثقيل على الداخل الإسرائيلي نفسه.

أما من الناحية الاقتصادية، فإن الخسائر لم تعد محصورة بإيران أو إسرائيل وحدهما، بل بدأت تتجاوز حدود الجغرافيا إلى الإقليم والعالم. فإيران تتعرض لضربات تستهدف بنى عسكرية ولوجستية وبنى تحتية حساسة، وهو ما يضيف أعباء جديدة على اقتصاد مثقل أصلًا بالعقوبات والضغوط الداخلية. لكن إسرائيل أيضًا تدفع ثمنًا متزايدًا، سواء عبر كلفة الاعتراض الصاروخي العالية، أو عبر اضطراب النشاط الاقتصادي، أو عبر الخسائر غير المباشرة المرتبطة بالتأمين، والاستثمار، وثقة الأسواق، وتعطّل بعض المرافق.

والأخطر من ذلك كله أن الحرب تمسّ شريانًا عالميًا بالغ الحساسية: الطاقة والممرات البحرية. فكل تهديد جدي لمضيق هرمز، أو لكل ما يتصل بخطوط الملاحة والنقل والتأمين في الخليج، يعني أن هذه الحرب لم تعد نزاعًا إقليميًا فحسب، بل تحولت إلى عامل ضغط مباشر على الاقتصاد العالمي. ومن هنا نفهم لماذا تنظر عواصم كثيرة إلى هذه المواجهة باعتبارها ليست فقط حربًا بين خصوم، بل أزمة قد تعيد خلط أسواق الطاقة، وترفع كلفة التجارة، وتدفع العالم كله إلى دفع جزء من الفاتورة.

لكن السؤال الأخطر الذي يتردد اليوم، في الإعلام والسياسة والرأي العام، هو ما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد تذهبان إلى خيارات أكثر تطرفًا، بما في ذلك استخدام السلاح النووي التكتيكي، أو ما يُسمى بالقنبلة النيوترونية الصغيرة، أو أسلحة أخرى محظورة أو مثيرة للجدل دوليًا. هذا السؤال مفهوم في ظل التصعيد الحالي، لكنه يحتاج إلى قدر كبير من الدقة والهدوء في التقدير.

الجواب الواقعي هو أن احتمال استخدام سلاح نووي، حتى لو كان تكتيكيًا أو “مصغّرًا”، يبقى منخفضًا جدًا في المرحلة الراهنة، وإن لم يكن معدومًا نظريًا. والسبب لا يعود إلى عجز عسكري، بل إلى أن مثل هذه الخطوة ستعني كسر أحد أخطر المحرّمات في النظام الدولي منذ عام 1945. استخدام سلاح نووي ضد إيران لن يكون مجرد ضربة عسكرية، بل زلزالًا استراتيجيًا وسياسيًا وأخلاقيًا، قد يفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها بسهولة، ويدفع المنطقة كلها إلى مرحلة أشد خطورة وفوضى، فضلًا عن انعكاساته الدولية الكبرى على علاقات واشنطن مع القوى الكبرى، وعلى شرعية أي حرب لاحقة.

أما الاحتمال الأكثر واقعية، فهو ليس النووي، بل توسيع استخدام الأسلحة التقليدية فائقة التدمير، والقنابل الخارقة للتحصينات، والضربات العميقة ضد البنى التحتية الحساسة، وربما استخدام ذخائر أو أساليب تثير جدلًا قانونيًا وإنسانيًا واسعًا. بمعنى آخر: شبح “النووي” يظل سياسيًا حاضرًا في المخيلة العامة، لكن الأخطر ميدانيًا قد يكون الانزلاق نحو مستويات قاسية جدًا من التدمير التقليدي الذي يقترب في أثره من العقاب الجماعي، حتى من دون تجاوز العتبة النووية نفسها.

إذا انتقلنا إلى سؤال المصير، فإن الحرب تبدو حتى الآن بعيدة عن “نصر حاسم” لأي طرف، وأقرب إلى سيناريو أكثر تعقيدًا: حرب استنزاف مركّبة، لا يستطيع فيها أحد أن يحسم سريعًا، ولا يستطيع أحد أن يتراجع بسهولة. الولايات المتحدة وإسرائيل قادرتان على إلحاق ضرر هائل بإيران، وربما على إضعاف أجزاء كبيرة من بنيتها العسكرية واللوجستية، لكنهما لا تملكان حتى الآن دليلًا واضحًا على أن هذا يكفي لإسقاط الإرادة الإيرانية أو فرض استسلام سياسي. وفي المقابل، تستطيع إيران أن تواصل الإيلام والتشويش وإرباك الجبهة المقابلة، لكنها لا تملك القدرة على تحقيق نصر عسكري مباشر بالمعنى التقليدي.

ومن هنا، تبدو السيناريوهات الأقرب ثلاثة، وإن كانت متداخلة. أولها استمرار الحرب لأسابيع إضافية في إطار استنزاف شديد، تتبادل فيه الأطراف الضربات الثقيلة قبل أن تبدأ محاولات فرض تسوية تحت النار. وثانيها اتساع رقعة المواجهة إقليميًا، إذا انفتحت جبهات إضافية أو تعرضت الممرات البحرية والطاقة لاضطرابات أكبر، وهو السيناريو الأخطر على الاقتصاد العالمي. أما ثالثها، وهو الأكثر واقعية سياسيًا، فيتمثل في وقف إطلاق نار هشّ أو تسوية مؤقتة، لا تنهي الصراع، بل تعيد ترتيبه في صورة جديدة، بحيث يخرج كل طرف مدعيًا أنه صمد أو انتصر أو فرض قواعد ردع مختلفة.

في المحصلة، ما يجري اليوم ليس مجرد حرب بين إيران وإسرائيل برعاية أو مشاركة أميركية، بل هو اختبار تاريخي لفكرة الردع نفسها في الشرق الأوسط. إسرائيل تضرب بقوة، لكنها تتعرض لضغط غير مسبوق في عمقها. إيران تنزف عسكريًا واقتصاديًا، لكنها ما تزال قادرة على منع خصومها من تحقيق نصر نظيف. والولايات المتحدة تلوّح بالقوة القصوى، لكنها تعرف أن القوة وحدها لا تكفي دائمًا لصناعة نهاية سياسية مستقرة.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من يضرب أكثر؟

بل: من ينهار سياسيًا أولًا تحت كلفة الزمن، ومن ينجح في تحويل الألم إلى رواية صمود، أو التفوق العسكري إلى إنجاز سياسي؟

وفي هذه المسافة الفاصلة بين الصاروخ والقرار، بين الدمار والصفقة، يتحدد مصير حرب قد لا تغيّر فقط شكل إيران أو إسرائيل، بل قد تعيد رسم ملامح الشرق الأوسط كله لسنوات طويلة قادمة.

Print This Post

ندرك جيدا أنه لا يستطيع الجميع دفع ثمن تصفح الصحف في الوقت الحالي، ولهذا قررنا إبقاء صحيفتنا الإلكترونية "راي اليوم" مفتوحة للجميع؛ وللاستمرار في القراءة مجانا نتمنى عليكم دعمنا ماليا للاستمرار والمحافظة على استقلاليتنا، وشكرا للجميع للدعم:

الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان. وان لا يزيد التعليق عن 100 كلمة، والا سنعتذر عن عدم النشر.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here