اسيا العتروس: بدعوته اعادة ايران الى العصر الحجري.. ترامب يدوس على أمريكا!

 

اسيا العتروس

 لم يعد المشهد القادم من البيت الابيض يشد العالم أوينبئ بما يمكن أن يعزز فكرة أن امريكا الاقوى وأنها من يقود هذا العالم عسكريا وسياسيا ويسيطر على كل من فيه ..ويبدو أن أمريكا تحت قيادة الرئيس السابع والاربعين دونالد ترامب الجمهوري الغارق في الشعبوية القاتلة والتصريحات المنفلتة والانتشاء باعتقال واغتيال سياسيين ومسؤولين عسكريين في دولهم , والتهديد بكلام لم يسبقه اليه غير مجرم الحرب ناتنياهو عن غزة , باعادة ايران الى العصر الحجري تماما كما فعل حليفه رئيس الوزراء الاسرائيلي باعادة غزة الى العصرالحجري  والتمادي في جرالعالم الى مزيد الحروب ..وهو بذلك أكثر من يدوس على أمريكا وشعبها ويدنس مؤسساتها ودستورها قبل اهانة الاخرين وتقزيمهم والاستهزاء و التطاول على قادة العالم بما في ذلك أكبرالحلفاء في الناتو وفي منطقة الخليج ..

ما سجله ترامب في خطابه حول الامة فجر الخميس الماضي والذي استمرعشرين دقيقة أكد أن الرئيس الامريكي يعيش حالة  انكار وهذيان مستمر في تصريحاته المتناقضة حول الحرب في ايران التي دخلت شهرها الثاني على التوالي فيما هو يراوح بين الترويج لانتصار تاريخي على الحرس الثوري وتدميرأسطول ايران الجوي والبحري , وبين تجديد الخطاب على اعادة ايران الى العصرالحجري ويسقط بذلك ما سبق من رسائله للشعب الايراني ودعوته له بالخروج الى الشارع والاطاحة بالنظام القائم ..

في خضم الحرب المدمرة يحلو للرئيس الامريكي أن يقترح على دول العالم اقتناء النفط الامريكي قائلا ” أولا اشتروا النفط من الولايات المتحدة الأمريكية؛ فلدينا منه الكثير، بل لدينا منه وفرة هائلة.  وثانيا: استجمعوا شيئا من الشجاعة التي طال انتظارها … اذهبوا إلى المضيق، وخذوا النفط ببساطة.  احموه.  واستخدموه لمصالحكم الخاصة.  لقد تم القضاء على إيران فعليًا؛ وقد انقضى الجزء الأصعب من المهمة”.. و يحلو له أيضا تكرار عبارات التحريض و هو يردد ” سنوجه إليهم ضربات قاسية للغاية على مدار الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع المقبلة,  وسنعيدهم إلى العصور الحجرية، حيث ينتمون حقا”. ترامب رئيس القوة الاولى في العالم لا يخجل و لا يتحرج من الاعتراف بقتل مسؤول عسكري ايراني و نسبة ذلك الى شخصه و اعتماده ضمير المتكلم قائلا و هو يخاطب الرأي العام الامريكي والعالمي و معه الرأي العام الايراني  “لقد قمتُ بالعديد من الإجراءات لوقف سعي إيران لامتلاك أسلحة نووية … أولًا، وربما الأهم، أنني قتلتُ الجنرال قاسم سليماني خلال ولايتي الأولى … ثم أنهيتُ الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرمه باراك حسين أوباما … وبشكل أساسي، فعلتُ ما لم يكن أي رئيس آخر مستعدًا لفعله. “..

يصر الكثير من الملاحظين على أن خطاب ترامب جزء من حرب اعلامية استفزازية مدروسة لا تهدأ , هدفها تضليل الايرانيين والتشويش عليهم في التعاطي مع الحرب التي فرضت عليهم ..والحقيقة  أنه كان بالامكان قبول هذه القراءة لو تضمن خطاب الرئيس الامريكي الحد الادنى من  الديبلوماسية والمنطق في التعاطي مع الاحداث و لكن ترامب ما انفك يفضح حالة التخبط لا في تصريحاته فحسب ولكن أيضا ضمن فريقه من خلال الاقالات المتواترة لكبار مسؤوليه و أكثر المدافعين عن بعد تخليه عن وزيرتي العدل والأمن ورئيس أركان الجيش واحالته على التقاعد  الفوري ..وحسب بعض التصريحات فان هذه الاقالات تأتي على خلفية اختلافات عميقة داخل ادارة ترامب حول كيفية ادارة الحرب على ايران ورفض قيادات عسكرية الانسياق وراء خيار المعارك البرية غير المضمونة في بلد صعب التضاريس ولا يمكن بأي حال من الاحوال لاي جيش أجنبي التحكم والسيطرة على جباله وحاريه وشعابه علما وأن مساحة ايران تبلغ خمس مرات مساحة العراق بما يعني أن المغامرة بالتوغل البري في ايران لن تكون نزهة , وأنها ستكون مستنقعا قد يتجاوز المستنقع الامريكي في فيتنام وأفغانستان مع تطويرايران قدراتها العسكرية رغم كل ما تتكبده من ضربات عسكرية وخسائر في قدراتها الجوية والبحرية ..لا يزال ترامب يريد الحرب و يعتقد أنها ستستمر لاسبوعين أو ثلاثة ولكن الحقيقة أنه لا أحد بما في ذلك ترامب نفسه يعرف متى و كيف ستنتهي الحرب على ايران ..لكن ما هو واضح أن التنافس قائم بين ترامب وناتنياهو وفيما يمضي الرئيس الامريكي في تدمير الجسور والبنية التحتية في ايران يمضي ناتنياهو في تنفيذ السيناريو ذاته في لبنان المهدد اليوم بعودة الاحتلال الاسرائيلي ..أما عن غزة والضفة فقد حولت الحرب الاسرائيلية الامريكية على ايران الانظارعن مسلسل الابادة المستمر في غزة وما يتعرض له الفلسطينيون من قتل يومي ومجازر واغتيالات ومصادرة للارض وتهويد للمقدسات و غلق للمساجد والكنائس واعلان الحرب على الاسرى في سجون الاحتلال و رقص النواب الاسرائيليين الفاشيين على نخب قانون اعدام الاسرى ..

ما يحدث في البيت الابيض من اقالات في صفوف كبار المسؤولين في إدارة ترمب، يؤكد حالة الترنح الحاصلة في فريق ترامب الذي يصرعلى البحث كبش فداء في كل حساباته الخاسرة من تراجع شعبيته الى فشل خياراته الامنية والعسكرية في ايران و بعد اقالة  مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل ووزير الجيش دانيال دريسكول ووزيرة العمل لوري تشافيز ديريمر أعلن مكتب ترامب عن اقالة وزيرة العدل بام بوندي الخميس بعد إقالة وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم، كل ذلك طبعا الى جانب الاستقالة السابقة لجو كينت مديرالمركزالوطني لمكافحة الارهاب في ادارة ترامب و الذي سبق و كذب ادعاءات الرئيس الامريكي بأن ايران تمثل خطرا وشيكا على بلاده ..كل المؤشرات تؤكد أن الحرب الراهنة على ايران لن تكون كالحروب السابقة في منطقة الخليج فالخصم عنيد هذه المرة و اكتسب قدرة عسكرية يبدو أن ترامب و ناتنياهو استهانا بها و قللا من شانها ليفاجأ بصمود ايران رغم استهداف قيادات الصف الاول وربما الثاني السياسية والعسكرية …اقالة رئيس أركان الجيش الامريكي من أعلى منصب في القوات البرية في خضم الحرب المسعورة في ايران يؤكد الانقسام والضبابية الحاصلة في محيط ترامب ..و مع كل يوم يمضي تتبدد  الآمال في نهاية قريبة للحرب بعد أن توعد الرئيس الأمريكي  بشن ضربات أكثر قوة على إيران. ..أما حديث ترامب و تبجحه بانتصارات حاسمة وساحقة فتبقى من الاوهام ….في الاثناء يعجز ترامب رغم تهديداته عن كسب دعم حلفاءه الاوروبيين وحلفاءه في الحلف الاطلسي  في تأمين مضيق هرمز وشراء نفط بلاده .. وفيما نحن بصدد كتابة هذا المقال  أعلنت ايران اسقاط مقاتلة أمريكية من طراز F35 –وأن البحث جار عن طاقمها ..وفي انتظار تأكيد ذلك و ما ستحمله الساعات القادمة من تطورات نحو مزيد التصعيد أو البحث عن نخرج لانهاء الحرب واعادة جسور التفاوض تعود الى الذاكرة عملية مخالب النسرالامريكية الفاشلة  في صحراء ايران قبل أربعة عقود ..فهل نقف على اجترار للتاريخ  بشكل دراماتيكي ؟

كاتبة وصحفية تونسية

Print This Post

ندرك جيدا أنه لا يستطيع الجميع دفع ثمن تصفح الصحف في الوقت الحالي، ولهذا قررنا إبقاء صحيفتنا الإلكترونية "راي اليوم" مفتوحة للجميع؛ وللاستمرار في القراءة مجانا نتمنى عليكم دعمنا ماليا للاستمرار والمحافظة على استقلاليتنا، وشكرا للجميع للدعم:

الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان. وان لا يزيد التعليق عن 100 كلمة، والا سنعتذر عن عدم النشر.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here