- رأي اليوم - https://raialyoum.indexforce.com -

الإخوان والدولة الاردنية: صراع الرموز  والسيادة

 

علام منصور

تاريخيا؛ ولكلّ متابع للعلاقة بين “الإخوان”  والدولة الأردنية؛ يلمس أنّ العلاقة بينهما ليست مجرد سلسلة أحداث سياسية؛ بل هي تعبير عن تناقض جوهري في بُنية الدولة الأردنية نفسها؛ فالدولة تأسّست على شرعية تاريخية؛ مقابل حركة إسلامية تطمح لشرعية شاملة عابرة للحدود.

منذ عقد الأربعينيات، قبلت الدولة الأردنية بتواجد وحضور “الإخوان المسلمين” حارسا أيديولوجيا مهما ضد اليسار والماركسية وقتها والناصرية لاحقا، لكنه كان قبولا مشروطا بإبقائهم ضمن ” النطاق الدعوي” بعيدا عن  السياسة ولا يتجاوزها ولا يتعداها.

لكنّ الأمور لم تجر كما أعدّ لها؛ فبدأت الإشكالية حين تحولت قاعدتهم الاجتماعية في الأردن إلى هوية مزدوجة  أردنية- وفلسطينية؛ الأمر الذي أدى لاحقا لإضعاف مفهوم “الهوية الأردنية” كعامل موحد في نطاق الدولة الأردنية الحديثة، بل وزرع شكوكا لديها؛ حول انتماءاتهم وولاءاتهم الحقيقية.

في مطلع عقد التسعينيات من القرن الماضي؛ شهدت جماعة “الأخوان المسلمين” تحولاً جذريا ووجوديا؛ تمثّل في دخولهم معترك السياسة الأردنية ليس كحزب محلي، بل كمشروع إسلامي عابر للوطن والحدود؛  ولعلّ السبب في ذلك يكمن في استغلالهم لثغرة في النظام الإنتخابي الأردني؛ الذي كان معمولا به ذلك الوقت؛ ومن خلال ملاحظة وتتبع ما أفرزته نتائج تلك الإنتخابات البرلمانية كأكبر تجمع معارض بدأت ملامح مشروعهم تتضح أكثر؛ فنجد أن معارضتهم لمعاهدة “وادي عربة” – على سبيل المثال- لم تكن في جوهرها رفضا سياسيا؛ بل إعلانا منهم  عن رفضهم “السلام الإقليمي”؛ مما حوّلهم من “شريك تكتيكي” إلى “منافس استراتيجي” .

هنا يكمن عمق وجوهر الخلاف بين الدولة وبين الجماعة؛ فالإخوان لا يطالبون بإصلاح سياسي فقط؛ بل تعدى سقف مطالبهم ومسّ أسس أركان المملكة؛ مستفيدين من القضية الفلسطينية كـ”رمز جامع” يشلّ نقد الدولة.

في العقد الأول من الألفية الثانية؛ وإبّان ذروة الربيع العربي، أصبح الصراع بين الدولة والإخوان يظهر على السطح بشكل لافت؛ مع محاولات الطرفين ادّعاء غير ذلك؛ ولكلّ منهما أسبابه الخاصة ذلك الوقت؛ وأصبح الصراع يأخد طابعا أمنياً-هوياتياً؛ فالإخوان سيطروا بشكل لافت في تلك المرحلة على “الفراغ الاجتماعي” متمثلا في الجامعات والمساجد بشكل خاص؛ فلم تجد الدولة وقتها غير محاولة  “تقنينهم” ب”جمعية جديدة” ؛ لكنها أثبتت فشلها أمنيا؛ واجتماعيا ولم تجد حاضنة فعلية لها.

بقيت الأمور بين شدّ وجذب بين الدولة والجماعة وذراعها السياسي جبهة العمل الإسلامي؛ حتى كانت أحداث السابع من اكتوبر عام 2023 وأضحى الخلاف واضحا بشكل لا يقبل القسمة على مشروعين؛ وبلغ هذا التصعيد ذروته حينما طلبت  الحكومة منهم لاحقا تغيير اسم ذراع الإخوان السياسي  إلى اسم آخر؛ وهي محاولة من الحكومة الأردنية لقطع” الرمز الإسلامي” في التمثيل البرلماني؛ وحجتها في ذلك أن “الإسلام” في الإسم يُوحي بأجندة تُفضي على السيادة الأردنية؛ هذا الطلب لم يكن إجراءا إداريا، بل كان في جوهره رفضا لشرعية “الإخوان” ككيان سياسي، لأنها ترى فيه مدخلا مستقبلا لاستيراد “صراعات اقليمية” بغطاء ديني؛ الأمر الذي يهدد “التوازن الديموغرافي” في المملكة؛ لذلك أعلنت الحكومة عن رفضها أيّ ربط بين “السياسة” و”الدين” كأساس للهوية الوطنية الأردنية.

لكن ومع كل هذا الصراع الخفيّ والمعلن ما بينهما؛ تركت الحكومة مجالا لحلول مقترحة ومفتوحة؛ وهي حلول تكمن في جوهرها التوازن ما بين الطرفين؛ احترام حق الدولة في حماية سيادتها واستقرارها الوطني وهويتها الوطنية؛ مع الاعتراف بحقهم  كصوت شرعي هام من الشعب في التعبير عن همومه الدينية والإجتماعية ضمن الإطار الدستوري.

إن طلب الحكومة تغيير اسم “جبهة العمل الإسلامي” ؛ قد يكون خطوة للأمام نحو حوار صادق؛ يُعيد صياغة العلاقة بين “الدين والسياسة” ؛ بعيدا عن التصعيد والمناكفات الأمنية؛ ليصبح الأردن نموذجاً للتعايش بين مشروع الدولة وطموح الإسلام السياسي، حيث تكون السيادة والحريات وجهين لعملة واحدة. إن صدقت النوايا.

كاتب اردني