الدكتور محمد رضا صادقي: الدكترین الدفاعي الجديد للجمهورية الإسلامية الإيرانية: الردع غير المتماثل والانتقام غير التقليدي في أفق عام 2026

الدكتور محمد رضا صادقي

تشير التحولات العسكرية والجيوسياسية العالمية في النصف الثاني من عقد العشرينيات، ولا سيما عقب وقوع صراعات واسعة النطاق في أوائل عام 2026، إلى تغيير جوهري في نماذج الأمن القومي والاستراتيجيات الدفاعية. وبالنسبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، يُعد عام 2026 نقطة تحول انتقلت فيها العقيدة الدفاعية من حالة الدفاع التقليدي إلى نموذج الردع النشط والهجومي.

يأتي هذا التحول كاستجابة مباشرة لانهيار المعاهدات الدولية، وتصاعد التهديدات النووية من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، ووقوع العملية المعروفة باسم «غضب الملحمة» (Operation Epic Fury) في فبراير 2026. يتناول هذا التقرير التحليلي استراتيجية إيران الدفاعية مع التركيز على استغلال القدرات غير المتماثلة والأسلحة غير التقليدية كأداة لضمان البقاء الوطني والرد على التهديدات النووية. وتقوم هذه العقيدة على مبدأ «الحق الأصيل في البقاء»، وتستند إلى وثائق فنية دقيقة وتحليلات قانونية تبيّن وضع إيران في مواجهة النظام العالمي المنهار عام 2026.

الجذور الجيوسياسية لأزمة 2026 وانهيار النظام الرقابي

تعتبر أزمة عام 2026 نتاجاً لعملية تآكل في هيكلية الحد من التسلح العالمي بدأت عام 2024 ووصلت ذروتها في عام 2025. إن فشل مفاوضات مسقط وجنيف في أواخر عام 2025، وما تلاه من تفعيل «آلية الزناد» (Snapback) من قبل الترويكا الأوروبية (E3) في سبتمبر 2025، وضع إيران فعلياً في وضع لم تعد ترى فيه أي مصلحة ملموسة في الالتزام بقيود الاتفاق النووي ورقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وفي خضم ذلك، أدت حرب الـ 12 يوماً في يونيو 2025 – التي هاجمت خلالها إسرائيل بالتنسيق مع الولايات المتحدة منشآت التخصيب في «فردو» و«نطنز» – إلى دفع بارادايم طهران الدفاعي نحو «التصعيد غير المنضبط» (Unbridled Escalation). هذه العملية، التي استُخدمت فيها قنابل خوارق التحصينات المتطورة (GBU-57)، لم تستهدف البنية التحتية النووية فحسب، بل ألحقت أضراراً بمراكز أبحاث غير نووية، ومنها مجمع «الشهيد ميثمي»، الذي يعتبره المصادر الغربية المركز الرئيسي لتطوير القدرات الكيميائية الإيرانية.

تُظهر التحليلات الاستراتيجية أن إيران، رداً على هذه الضغوط، أعادت تعريف عقيدتها بناءً على مبدأ: «الأمن للجميع أو لا أحد». ويعني هذا التوجه أن أي محاولة لتدمير البنية التحتية الحيوية لإيران ستواجه برد يضع الاستقرار الاقتصادي والعسكري للمنطقة برمتها وحلفائها الغربيين في خطر.

عقيدة الانتقام غير التقليدي: السلاح الكيميائي كأداة ردع

يُعد دور الأسلحة الكيميائية وعوامل الشلل الصيدلانية (PBA) في عقيدة الردع أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل والمحورية في استراتيجية إيران الدفاعية لعام 2026. فرغم أن إيران كانت تاريخياً الضحية الرئيسية لهذه الأسلحة في الثمانينيات وأكدت دوماً على تحريمها شرعاً وقانوناً، إلا أن التهديدات النووية الصريحة من الولايات المتحدة (إدارة ترامب) وإسرائيل في عام 2026 دفعت طهران نحو استغلال هذه الأسلحة بوصفها «السلاح النووي للفقراء».

تعتمد استراتيجية إيران على منطق أن استخدام هذه العوامل بجرعات محكومة يمكن أن يمنع العدو من التوغل في عمق الأراضي الإيرانية دون الحاجة لصراع تقليدي واسع. ومع ذلك، فقد حذر المسؤولون العسكريون من أنه في حال استخدام العدو للسلاح النووي، فلن تلتزم إيران بأي قيود في استخدام الرؤوس الكيميائية الفتاكة ضد تجمعات العدو.

الردع البحري غير المتماثل ومنظومة «أژدر» في عام 2026

في مواجهة تفوق الأساطيل السطحية الأمريكية في الخليج وبحر عمان، حولت القوة البحرية للحرس الثوري عقيدتها من التواجد في المياه البعيدة إلى «الإنكار النشط» (Active Denial). تسارع هذا التغيير خاصة بعد تضرر بعض السفن الإيرانية الكبيرة في الموجة الأولى من هجمات مارس 2026.

 * منظومة أژدر (Azhdar): تُعرف في عام 2026 بأنها العمود الفقري لاستراتيجية إغلاق مضيق هرمز.

 * تعد وسيلة تحت سطحية مسيرة (UUV) ذكية، تمتلك القدرة على العمل كـ «لغم قاع متنقل».

 * تسمح هذه القدرات لإيران بجعل مضيق هرمز غير قابل للاستخدام فعلياً من خلال خلق «حالة من عدم اليقين الاستراتيجي» ورفع تكاليف التأمين والمخاطر، بدلاً من الإغلاق المادي (الذي قد يسبب إجماعاً دولياً ضدها).

الموقف القانوني والاتفاقيات الدولية: تحديات 2026

تطرح استراتيجية إيران تساؤلات حول كيفية تبرير استخدام الأسلحة غير التقليدية في ظل عضويتها في معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية (CWC) والبيولوجية (BWC). ففي عام 2026، شهد الموقف الرسمي والعملياتي الإيراني تحولاً جذرياً يمكن تسميته «التعليق الطارئ للالتزامات».

الخروج الواقعي والحجج القانونية لطهران:

تجادل إيران في عام 2026 بأن المعاهدات الدولية تقوم على أساس «الالتزامات المتبادلة». وحين تقوم الدول الغربية وإسرائيل بتدمير أسس عدم الانتشار عبر مهاجمة منشآت خاضعة للرقابة (كما حدث في يونيو 2025)، فإن إيران لم تعد ملزمة بالامتثال الأحادي لهذه القيود.

 * المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة: تصف إيران هجماتها بأنها «دفاع مشروع» في مواجهة العدوان النووي والتقليدي.

 * من منظور طهران، تعلو «ضرورة البقاء الوطني» فوق أي معاهدة.

 * الانتهاك الصارخ من الطرف الآخر: يُعتبر الهجوم الإسرائيلي على مراكز أبحاث خاضعة لرقابة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (مثل مجمع الشهيد ميثمي) نهاية للصلاحية العملية لمعاهدة (CWC) في المنطقة.

 * قاعدة الاضطرار (Rule of Necessity): في الفقه الدفاعي الحديث لإيران، تقتضي قاعدة «الاضطرار» و«حفظ النظام» استخدام أي أداة ردع لمواجهة تهديد إبادة الأمة بالسلاح النووي.

يُظهر هذا الوضع أنه في عام 2026، لم يعد القانون الدولي يعمل كحاجز أمام الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية، بل تحول إلى أداة لتبيين الضرورة الدفاعية.

عقيدة التصعيد الأفقي واستهداف البنية التحتية الاقتصادية

تقوم استراتيجية الجمهورية الإسلامية في عام 2026 على مبدأ أن الرد على عدوان أمريكا وإسرائيل لا ينبغي أن يقتصر على جغرافيا إيران أو الأهداف العسكرية البحتة. هذه العقيدة، المعروفة باسم «التصعيد الأفقي»، تشمل استهداف الشبكة المعقدة للمصالح الاقتصادية والتكنولوجية للعدو في المنطقة بأكملها.

التحليل الفقهي والاستراتيجي: من الحرمة إلى الضرورة

تطلب تغيير العقيدة الدفاعية الإيرانية والاقتراب من الخيارات غير التقليدية في عام 2026 تبييناً داخلياً للحفاظ على الانسجام الوطني. بينما تظل فتوى القيادة بتحريم أسلحة الدمار الشامل (الصادرة عام 2010) أصلاً أولياً، فقد عاد مفهوم «الأحكام الثانوية» و«قاعدة الاضطرار» إلى صدارة الخطاب الدفاعي في عام 2026. ويرى المحللون أنه في ظروف «التهديد الوجودي» (Existential Threat)، تكون الأولوية لحفظ أرواح المسلمين وكيان البلاد.

لقد حذر كمال خرازي ومسؤولون استراتيجيون آخرون في عامي 2024 و2025 من أنه في حال تغير سلوك العدو والتهديد النووي، فلن يكون أمام إيران خيار سوى مراجعة عقيدتها النووية والدفاعية. وقد وقعت هذه المراجعة فعلياً في عام 2026، واكتسب الانتقام الكيميائي شرعية بوصفه «رداً متناسباً» (Proportional Response) ضد العدوان غير التقليدي للعدو.

سيناريوهات الصراع والتقدير النهائي

مع الدخول في النصف الثاني من عام 2026، تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة لهذا التقابل غير التقليدي:

 * مأزق الردع: وصول التهديدات المتبادلة (النووية من الغرب والكيميائية/غير المتماثلة من إيران) إلى «توازن الرعب»، مما يجبر الأطراف على العودة لطاولة المفاوضات لصياغة نظام أمني جديد في المنطقة.

 * التآكل المنضبط: استمرار الحرب في مستويات أدنى من السلاح النووي، مع استخدام إيران المتكرر للأدوات غير المتماثلة مثل منظومة «أژدر» والهجمات السيبرانية والصاروخية، مما يؤدي لانسحاب تدريجي للقوى الخارجية بسبب التكاليف الاقتصادية التي لا تُطاق.

 * التصعيد الكبير (The Great Escalation): وقوع خطأ في الحسابات يؤدي لاستخدام محدود للسلاح النووي من قبل العدو ورد كيميائي شامل من إيران؛ وهو سيناريو قد يؤدي لانهيار حضاري في أجزاء واسعة من غرب آسيا.

الخلاصة الاستراتيجية:

إن استراتيجية الدفاع الإيرانية في عام 2026 تُظهر انطباقاً ذكياً مع الحقائق المادية والقانونية للزمن. فإدراكاً منها بأن «القوانين الدولية لا تظل صالحة إلا ما دامت تؤمن الأمن»، طرحت طهران قدراتها غير المتماثلة وأسلحتها الكيميائية كضامن نهائي للبقاء. إن نجاح هذه العقيدة في عام 2026 لا يكمن في الانتصار الميداني، بل في القدرة على فرض «تكلفة تفوق الربح» على أي معتدٍ. ويؤكد التقرير أن إيران، عبر استغلال المعرفة المحلية في المجالات الكيميائية وتحت السطحية، قد خلقت مأزقاً استراتيجياً للقوى النووية، حيث يُعتبر أي عمل عسكري واسع ضدها بمثابة «انتحار استراتيجي» للمهاجم.

خبير الشؤون الدولية

Print This Post

ندرك جيدا أنه لا يستطيع الجميع دفع ثمن تصفح الصحف في الوقت الحالي، ولهذا قررنا إبقاء صحيفتنا الإلكترونية "راي اليوم" مفتوحة للجميع؛ وللاستمرار في القراءة مجانا نتمنى عليكم دعمنا ماليا للاستمرار والمحافظة على استقلاليتنا، وشكرا للجميع للدعم:

الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان. وان لا يزيد التعليق عن 100 كلمة، والا سنعتذر عن عدم النشر.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here