- رأي اليوم - https://raialyoum.indexforce.com -

حرب الخليج ومكر الجغرافيا.. هل ستشكل ايران الشرق الاوسط الجديد؟

د. ادريس هاني

يتيح لنا الفكر الجغرافي استيعاب البعد الحيوي للأرض. ثمة حقيقة بيولوجية خلف التكلس الجيولوجي للجغرافيا السياسية؛ أتحدث هنا عن الاحتقان الجغرافي لإقليم أصيب بالربو، واختل فيه التوازن بين الشهيق والزفير. لقد احتقن الشرق الأوسط بما فيه الكفاية، وكان لا بد من تحسس هذه اللحظة في عمر بيولوجيا الأرض. اختنقت المنطقة، وتلوثت بقهر الاحتلال وخططه، هناك يحتدم الصراع بين سياسة المجال الحيوي(biosphère) وانتفاضة الحيز(soulèvement de l’espace). أنحت هذا المصطلح لكي أقرب أكثر الدور الحيوي للمقاومة في مجال غير خاضع؛ هنا أو شرق المتوسط في واحدة من روائع عبد الرحمن منيف، حيث صراع الضمير والقهر، فالمنطقة أيضا توجد خاضعة في سجن إمبريالي، لكن الفرق هنا أنها لا تشعر بتأنيب الضمير، لأن التوقيع لم ينجز. هنا أو محرقة شرق المتوسط، حيث انقلاب الصورة: لا للهزيمة؛ وهذا هو الحدث الذي لم تشهد المنطقة له مثيلا، فمن كان يستنبط من عمليات الاغتيال اختراقا مطلقا للبيت الداخلي لبلاد الري، كم يا ترى حجم ما لم ترصده عيون الاحتلال في مخازن الخرساني؟

هناك شيء آخر يصعب هضمه لدى النزعة الجغرافية التقليدية الجامدة، أوثر أن أصطلح عليه هنا: “اللاوعي الجغرافي”. ومثل هذه الحقائق تبدو في بداية اجتراحنا لها، كما لو أنها مقاربات غير واقعية، لكن من يتأمل صيرورة تاريخ العلاقات الدولية ومصائر الأمم ومصارع الدول، يدرك مقصودنا، شريطة أن يدرك فلسفة التاريخ ومكره. إن للتاريخ عقلا واشتغالا خوارزميا خفيا يستند إلى تراكم لمنسي النقائض التي يتعذر ضبطها من قبل أي مرصد أو قراءة سطحية للأحداث. غالبا ما تخضع تلك النقائض إلى حالة كيميائية لا مرئية، حيث تشكل حصيلة تركيب النقائض مدركا خفيا لاستغلال خواريزميات الروح المطلق للتاريخ، هنا نسعى إلى تعميق وتظهير الجدل التاريخي الهيغلي في مستوى جدل الجغرافيا السياسية.

لا يخضع مكر التاريخ لقواعد البوليميك السياسي ولا للسلم الحجاجي لديكرو. فقد يكذب الفاعل السياسي في مصارع الدول، يرسل كذباته ثم يتلاشى في التاريخ، غير أن (داتا) العقل التاريخي التي تعمل خارج التمنيات، تظل محفوظة في سجل الأجيال.

إذا طبقنا مفهوم اللاوعي الجغرافي والتاريخي على مجريات الأحداث الراهنة، فسنكتشف الكثير من الحقائق اليوم وأخرى سيكشف عنها الزمن.

فقد سعى الاحتلال منذ بيريز إلى تحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد، تلك الصيغة المحمولة على متن القوة الناعمة للسيطرة الصهيونية على الوطن العربي، ولا سيما منبع الطاقة في الخليج. لكن حصيلة تناقضات المشهد، انتهت ببروز نابتة القوة الخشنة، فحصلت الردة المنهجية من (شرق أوسط جديد) إلى (مكان تحت الشمس)، فكانت النتيجة هي تقويض مكتسبات قديمة وانهيار أسطورة القوتين الصهيونيتين: الناعمة والخشنة معا. وبينما تولى الاحتلال بمؤازرة إمبريالية مشهودة تحقيق شرق أوسط جديد، أصبحت إيران هي من يقود – عبر قوة الصمود – عملية تشكيل شرق أوسط جديد. وقد أراد ترامب ونتنياهو إخراج طهران من معادلة الشرق الأوسط، وتعزيز نظام عالمي جديد ينهض على قاعدة الردة البيولوجية، نظام داروين بامتياز، وحده يفسر عنف الانقلاب على المواثيق الدولية والمؤسسات الراعية والضامنة للسلام العالمي. لكن مخرجات مكر التاريخ، جعلت طهران اليوم هي من يقود بالفعل معركة الصمود نحو نظام عالمي جديد بشروط أخرى، لقد أخرجتهم طهران من مضيق هرمز وفي انتظار إخراجهم من الشرق الأوسط إن استمرت الحرب على هذه الوتيرة.

لا يتعلق الأمر بخطأ في حسابات الحرب على إيران فحسب، بل هو جهل بحساب الاحتمال، وتجاهل لمكر التاريخ. فالجغرافيا السياسية معرضة لانقلاب الصورة، وهي تشهد احتقانا في أعماقها السحيقة. تبدو قرارات السياسيين أمامها بالغة التسطيح.

هناك ما هو أقوى من السلاح النووي، هذا الأخير لا يصنع التاريخ بقدر ما يعيقه إلى حين، وأما آثاره النفسية فهي أقوى من آثاره المادية، بينما الأقوى من النووي هو مكر التاريخ. إنها معركة تجري فوق حقل ألغام، وتكمن مفارقتها في كونها حربا للسيطرة على موارد طبيعية قابلة للاحتراق بالحرب نفسها.

لقد غامر الاحتلال بالدخول في حرب خطيرة لتعزيز واسترجاع هيبته وتفوقه المطلق على العرب، فإذا به يخسر كل أساطيره بعد أن دخل المستوطنون إلى الملاجيء، ونزل الخراب بمعظم الأراضي المحتلة. الهيبة التي قوضتها حرب 2006 في الجنوب اللبناني. وعلى الرغم من العدوان الذي تعرض له هذا البلد المكافح، ورقصة الانتصار الزائف للاحتلال ، فقد خرج طائر الفينيق من رماد محرقة السياسة الملعونة، بعد أن تورمت سردية نهاية عصر المقاومة عبر صبيب من الضخ الإعلامي الموجه لخدمة منطق الهزيمة. وهي لحظة تشهد ملحمة تجاوزت حرب 2006، غطت عليها الأحداث التي باتت مركبة وشاملة. لا شيء انتهى إذن ، فهناك إعادة تموقع وانتفاضة الحيز ، بينما انتهت الكهانة السياسية، وحفل توزيع التمنيات.

ثمة جهل باللاوعي الجغرافي ينضاف إليه جهل بميتافيزيقا الشهادة التي شكلت المحفز الكيميائي الذي شد عصب الموقف، حيث باتت الوطنية في أوج طوباويتها بعد أن راهن الاحتلال وحليفه الأكبر على تغيير النظام. راعي البقر وشمشون البهلوان، اعتبرا القتل تدميرا للمؤسسة واسقاطا للنظام وإنهاء للحرب، فأسقطوا حساب المقاولة والمقامرة على ميتافيزقا الشهادة، وما دروا سحرها الانطولوجي بوصفها لحظة تولد الإرادة. إن حرب الاغتيالات هي مصداق فاضح لتخريبهم بيوتهم بأيديهم.

لقد طمع الاحتلال في التحول من القزمة الجغرافية إلى الدولة العظمى، لأنه يدرك أن مصيره غامض مع وجود دول عربية بمساحات أكبر، وخلفها دول إسلامية أوسع مثل إيران وتركيا وباكستان…لكنه في نهاية المطاف، أصبح أمام حالة تفكك ويأس. وقد أكد الاحتلال من خلال منع المستوطنين من السفر، على أن هؤلاء سيصبحون قريبا محتجزين عند شمشون الهارب.

هناك جيوب من مقاومة الحقيقة، وفي هذا الوقت بدل الضائع لم يعد بالإمكان تجاهل مخرجات حرب ليست كسائر الحروب، بل إن ما بعدها سيكون مختلفا عما قبلها، فما هو موقع العرب في استحقاقات عالم الغد، الذي يبدأ من هنا، أو شرق المتوسط!

كاتب مغربي