- رأي اليوم - https://raialyoum.indexforce.com -

حمد حسن التميمي: 15 بنداً أم فخ دبلوماسي؟.. هل صُممت شروط واشنطن لترفضها طهران؟

 

 

حمد حسن التميمي

حين ترسل دولة عظمى ورقة شروط من خمسة عشر بنداً عبر وسيط باكستاني إلى دولة تقصفها منذ شهر، فإن السؤال الطبيعي ليس “هل ستقبل إيران؟”، بل: هل صُمّمت هذه الشروط أصلاً لتُقبل؟

تفكيك نطنز وفوردو وأصفهان، تسليم كل غرام من اليورانيوم المخصّب، تقليص مدى الصواريخ إلى ألفي كيلومتر، وقف دعم كل حليف مسلّح من بيروت إلى صنعاء، والاعتراف بهرمز ممراً دولياً تحت الحماية الأمريكية. اقرأوها ببطء: هذه ليست شروط تفاوض، هذه شروط استسلام. وإيران رأت ما حلّ بالعراق حين تخلّى عن أسلحته، وبليبيا حين تخلّى القذافي عن برنامجه النووي. أن تطلب من نظام التخلي عن كل أدوات بقائه دفعة واحدة يعني أنك لا تريد اتفاقاً، بل تريد وثيقة رفض تُبرر بها الجولة القادمة من القصف.

لكن لنكن منصفين في التشريح: إيران أيضاً ليست ضحية بريئة تبحث عن السلام. قبل يومين فقط من بدء الضربات في الثامن والعشرين من فبراير، وافقت طهران على عدم تخزين اليورانيوم المخصب وقبلت رقابة دولية. وزير الخارجية العُماني قال إن السلام كان في متناول اليد، وكانت جولة مفاوضات جديدة مقررة في الثاني من مارس، لكن الضربات انطلقت قبلها. هل هذا فشل دبلوماسية؟ أم أن الدبلوماسية كانت تقترب من النجاح، وهذا بالضبط ما لم يُرد؟ ثم ردت إيران بتهديد الجامعات الأمريكية في المنطقة، واستهدفت منشآت حيوية ومطارات، ودفعت دول المنطقة ثمن حرب لم تبدأها. فمن يبحث عن السلام لا يُحول الإقليم كله إلى ساحة انتقام.

والآن دعونا نسأل السؤال الذي يتجنبه المحللون المهذبون: من يستفيد فعلاً من استمرار هذه الحرب؟ واشنطن تحافظ على البنية النفطية الإيرانية لأن تدميرها يرفع أسعار النفط، لكنها في الوقت ذاته تُوقف منافسة إيران في سوق الغاز المسال، وهو ما يخدم شركات الطاقة الكبرى مباشرة. إسرائيل تريد الحرب أن تستمر ما دامت تكاليفها محدودة بفضل الغطاء الأمريكي، لتدمير الوكلاء وإضعاف طهران دون فاتورة سياسية ثقيلة. أما إيران، فصمودها يمنحها شرعية داخلية في لحظة حرجة؛ فالحرب الخارجية أحياناً تكون طوق نجاة من الأزمات الداخلية، وهذا نمط تاريخي مكرر.

والفاتورة؟ يدفعها من لا يجلس على أي طاولة. مليار دولار يومياً كلفة العمليات الأمريكية. مئة وستة وثمانون مليار دولار خسائر الدول العربية في شهر واحد بحسب تقديرات دولية. خام برنت ارتفع بجنون، واحتياطيات دول كبرى تُستنزف لحماية عملاتها. اثنا عشر تريليون دولار تبخرت من الأسواق العالمية. كل هذا لأن طرفين يرفضان الاعتراف بأنهما لا يملكان تعريفاً واضحاً للنصر، وعالمٌ كامل يدفع ثمن غموضهما من مضخة البنزين وفاتورة الكهرباء.

في القادم، لا تراهنوا على دبلوماسية تقليدية. الوساطة وصلت لطريق مسدود؛ فطهران تدعو لسلام بتنازلات متبادلة، وواشنطن ترسل قاذفات “بي-52” وتهدد البنية التحتية. نحن أمام حرب تتغذى على نفسها: كل تصعيد يُبرّر التصعيد الذي يليه، وكل “مبادرة سلام” مصممة بعناية لتفشل بأناقة.

يبقى السؤال الأهم: إذا كانت المنطقة تدفع فاتورة المليارات في شهر واحد دون أن تختار هذه الحرب، فكم تبلغ كلفة الغياب عن طاولة تُصاغ عليها خارطة استقرارنا القادم؟

كاتب قطري