
دجوار أحمد أغا
المقدمة
يُختصر تاريخ سوريا الحديث في وجوه عديدة، لكن وجه “سامي الجندي” يظل الأكثر تعبيراً عن جيل الحالمين الذين صدمتهم الواقعية السياسية. لم يكن الجندي مجرد طبيب أسنان أو وزير عابر، بل كان “ضمير البعث” القلق، الذي لم يشأ الصمت على انحرافات التجربة التي ساهم في بنائها. شكّل سامي الجندي حالة فريدة من نوعها، حيث تداخلت في شخصيته ملامح الطبيب، والمثقف، والسياسي، والناقد الجريء. كان شاهداً من الداخل على صعود الأفكار القومية العربية، وانكساراتها لاحقاً. ومن خلال حياته، يمكن قراءة فصل كامل من تاريخ سوريا، بما فيه من طموحات كبرى وتصدعات عميقة.
النشأة والبدايات.. من السلمية إلى دمشق
شهدت مدينة السلمية الهادئة والوديعة في ريف حماه بوسط سوريا عام 1921، ولادة سامي الجندي لعائلة تهتم بالعلم والادب مما انعكس على وعيه وادراكه المبكر. درس المراحل الأولى من دراسته في السلمية تلك المدينة المعروفة بطابعها الثقافي الخاص وبتاريخها الطويل في انتاج النخب الفكرية والقامات الثقافية. لم يكن محيطه مجرد بيئة اجتماعية، بل فضاء واسع غني بالحوار والأسئلة. انتقل إلى دمشق ليتابع دراسته في جامعة دمشق، حيث درس طب الأسنان وتخرج عام 1944. غير أن الطب لم يكن سوى مدخل إلى عالم أوسع؛ عالم السياسة والفكر، حيث كانت سوريا آنذاك تغلي بالتحولات، وتبحث عن هويتها بعد الاستقلال.
من عيادة الأسنان إلى أروقة “البعث”
بدأت رحلة سامي الجندي من دمشق منتصف الأربعينيات، حيث كانت سوريا ما تزال تحت وطأة الانتداب الفرنسي. رغم تخرجه من كلية طب الاسنان، إلا أن هموم الشارع السوري في ظل الاحتلال وما بعد الاستقلال كانت تجذبه نحو العمل العام. انضم الجندي مبكراً إلى حركة البعث العربي بتأثير مباشر من أستاذه “زكي الارسوزي”، وكان يرى في البعث خلاصاً للأمة من تشرذمها. في تلك المرحلة، لم يكن الانتماء إلى البعث مجرد خيار سياسي، بل كان أشبه بإيمان فكري عميق بمشروع نهضوي يسعى إلى توحيد الأمة العربية وتحريرها من التبعية. وقد عاش الجندي هذه التجربة بحماسة، قبل أن يتحول لاحقًا إلى أحد أبرز نقادها.
8 أذار 1963 قمة الصعود وبداية السقوط
يوم الثامن من آذار سنة 1963 قام حزب البعث الذي انتسب اليه سامي الجندي بانقلاب على الحكم واستلم السلطة. فجأة وجد الجندي نفسه في قلب السلطة حيث تولى عدة وزارات منها الاعلام، الثقافة، بالإضافة الى أنه تم تكليفه بتشكيل الحكومة السورية في 11 ايار 1963 بصفته رئيساً للوزراء، وهي المهمة التي دامت لثلاثة أيام فقط قبل أن يصطدم بحائط التوازنات العسكرية والحزبية المعقدة، ما دفعه للاستقالة. خلال عمله وزيراً للإعلام، حاول الجندي بث روح ثقافية في الخطاب الرسمي، لكنه بدأ يكتشف تدريجياً أن “الثورة” التي حلم بها بدأت تأكل أبناءها، وأن الشعارات القومية باتت تُستخدم لتبريد الطموحات الديمقراطية. هذا الصراع الداخلي هو ما دفعه لاحقاً لكتابة شهادته القاسية على تلك المرحلة.
السفير المنفي والمثقف المغترب
خلال الفترة الممتدة بين عامي 1964 و1969، عُين الجندي سفيراً لسوريا في باريس. كانت هذه الفترة بمثابة “نفي دبلوماسي” ناعم، لكنها كانت الأغنى في مسيرته الفكرية. في باريس، انفتح الجندي على الثقافات الغربية، وتعرف على الفكر الوجودي والعبثي، وبدأ يترجم كبار الكتاب الفرنسيين. لكن العودة إلى دمشق عام 1969 لم تكن كما يشتهي؛ فبدلاً من التكريم، واجه التهم السياسية والسجن لرغبة الطغمة العسكرية المهزومة في حزيران 1967 التخلص منه بعد أن بدأت بعض القوى السياسية المكالبة بتشكيل حكومة ائتلافية تضمه لمواجهة الهزيمة. فاستدعي الى دمشق لحضور مؤتمر قومي وبدلاً من ذلك، اقتيد من مطار دمشق الى السجن بحجة واهية، ألا وهي تأليفه كتاب بدون إذن وزارة الخارجية (عرب ويهود) بمقدمة من الملك حسين بن طلال ملك الأردن وقتها.
السجن والمنفى: لحظة الانكسار
لم يكن السجن بيد من ساهم معهم في وصولهم الى السلطة سهلاً على الجندي. لكنه أدرك حجم المؤامرات التي تُحاك ضد سوريا في ظل الصراعات الداخلية التي شهدها النظام الحاكم. كانت هذه اللحظة بمثابة نقطة تحول حاسمة في حياته، حيث انتقل من موقع الفاعل السياسي إلى موقع الضحية. بعد خروجه من السجن، فرّ الى لبنان بعد أن عرف نية الطغمة الحاكمة إعادته الى السجن. كانت بيروت آنذاك ملاذًا للمثقفين العرب. هناك، تفرغ للكتابة، وبدأ في إعادة قراءة تجربته السياسية بعين نقدية حادة. لاحقًا، عاد إلى سوريا، بعد سقوط بيروت ودمار منزله فيها خلال الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982. كانت العودة بوساطة من الرئيس اللبناني الراحل سليمان فرنجية مع تعهده بعدم ممارسة أي عمل سياسي وأن تكون اقامته في السلمية.
كتاب “البعث” عبارة عن صرخة في وجه الهزيمة
يُعتبر كتابه الذي يحمل عنوان “البعث” والتي هي عبارة عن مذكراته، واحدأً من أهم وأجرأ الكتب السياسية في القرن العشرين. ففي هذا الكتاب، لم يكتب الجندي تاريخاً ممجداً، بل كتب “مرثية” لتجربة حزبية. انتقد رفاق دربه، وانتقد نفسه، وتحدث بصراحة مؤلمة عن الانتهازية والارتجال اللذين رافقا بناء الدولة. قال الجندي في كتابه إن الحزب الذي أراد تحرير الأمة تحول إلى أداة لضبطها، وهي مقولة كلفته الكثير من التهميش. لكن بالنسبة للقارئ، بقي الكتاب وثيقة إنسانية نادرة تعبر عن “المثقف المهزوم” الذي يمتلك شجاعة الاعتراف.
الكتابة كاعتراف: جرأة النقد ومرارة التجربة
تميّزت كتابات الجندي بصدقها وجرأتها، إذ لم يسعَ إلى تبرير ماضيه، بل إلى تفكيكه. في كتابه الأشهر البعث، قدّم شهادة داخلية عن نشأة الحزب وتحولاته، كاشفًا عن التناقضات التي عاشها، والخيبات التي انتهت إليها التجربة. لم يكن هذا الكتاب مجرد مذكرات، بل نص فكري يعيد طرح أسئلة كبرى حول السلطة، والأيديولوجيا، وحدود الحلم القومي. وقد أثار جدل واسع بين أوساط المثقفين والمفكرين سواء من في السلطة أو المعارضة، لأنه كسر الصمت وواجه السردية الرسمية. إلى جانب ذلك، كتب أعمال أخرى مثل (صديقي إلياس)، الذي يحمل طابع شخصي، و(عرب ويهود) الصادر عن دار (بيتشتل) الألمانية عام 1968، كتاب قدم له الملك الأردني حسين بن طلال وصدر في البداية باللغة الألمانية والفرنسية ومن ثم تمت ترجمته الى الانكليزية، البلغارية، والعربية. ويعتبر هذا الكتاب الأول لباحث سياسي عربي يصدر بعدة لغات اجنبية عن القضية الفلسطينية. كما أصدر رواية (سليمان)، التي تعكس ارتباطه بمدينته السلمية وهمومها.
الترجمة والانفتاح على العالم
لم يكتفِ الجندي بالكتابة، بل انفتح على الأدب العالمي من خلال الترجمة، حيث نقل إلى العربية أعمال مهمة لكبار الأدباء. كان الجندي سعيد بصداقته للشاعر الفرنسي الكبير لويس آراغون وتعتبر ترجمته لكتاب (مجنون إلسا) واحدة من أهم الترجمات من الادب العالمي الى اللغة العربية. من أبرز ما ترجمه رائعة الكاتب الكولومبي الأشهر غابرييل غارسيا ماركيز “مائة عام من العزلة”، وكذلك رواية “بيت الأرواح” للكاتبة التشيلية وزوجة الرئيس التشيلي سلفادور الليندي، إيزابيل الليندي. كما ترجم أعمال لكتّاب وفلاسفة مثل ألبير كامو وجان بول سارتر، ما يعكس اهتمامه بالفكر الوجودي والأسئلة الإنسانية الكبرى. كانت الترجمة بالنسبة له وسيلة للحوار مع العالم، وتوسيع أفق القارئ العربي.
رحيل بصمت وإرث لا يموت
توفي سامي الجندي في السلمية في 14 كانون الأول 1995، تاركاً وراءه إرثاً متنوعاً بين السياسة والأدب. لم يكن إرثه خالياً من الجدل، لكنه كان غنياً بالأسئلة، وهو ما يمنحه قيمة دائمة. مع رحيله، رحل معه جزء كبير من أسرار الحقبة الذهبية والمرة للسياسة السورية. لم يترك خلفه ثروات أو قصوراً، بل ترك مكتبة من الترجمات، وكتاب مذكرات يدرسه المؤرخون حتى اليوم، وسمعة الرجل الذي قال “لا” عندما كان الجميع يقولون “نعم”. يبقى سامي الجندي نموذجاً للمثقف السوري الذي عاش صراعاً مريراً بين مبادئه والواقع، واختار في نهاية المطاف أن ينحاز للكلمة الصادقة، مؤمناً بأن الأنظمة ترحل، والكتب وحدها هي التي تبقى لتخبر الحقيقة للأجيال القادمة. وفي الختام، يمكن القول إن أهم ما تركه الجندي ليس المناصب التي شغلها، بل الجرأة التي كتب بها، إذ حوّل تجربته الشخصية إلى شهادة إنسانية مفتوحة، تتيح للأجيال اللاحقة أن تفهم، وتُراجع، وربما تتعلم.