د زهير الخويلدي
مقدمة
في سياق الصراع الطويل الأمد بين قوى الاستعمار الاستيطاني الصهيوني والإمبريالية الغربية من جهة، والأمة العربية الإسلامية من جهة أخرى، يبرز محور المقاومة بقيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية كظاهرة تاريخية فريدة. هذا المحور، الذي يجمع فصائل ودولاً وشعوباً متنوعة تحت راية المقاومة المسلحة والسياسية، يُفهم من خلال المنظور ما بعد الكولونيالي كحركة تحررية تُعيد صياغة مفهوم السيادة والكرامة في مواجهة الهيمنة الاستعمارية المعاصرة. يعتمد هذا المنظور، المستمد من أفكار مفكرين مثل فرانز فانون وإدوارد سعيد وهومي بابا، على تفكيك الخطاب الاستعماري الذي يصور الغرب والكيان الصهيوني كـ”حضارة” متقدمة تواجه “بربرية” شرقية، بينما يُبرز في المقابل الدور التحرري للمقاومة كفعل وجودي يعيد بناء الهوية الجماعية للأمة.
الحرب الوجودية التي تُشن على الأمة العربية الإسلامية ليست مجرد نزاع حدودي أو سياسي، بل هي مواجهة أساسية تهدف إلى محو الوجود السيادي لهذه الأمة، من خلال احتلال الأرض، تهجير الشعوب، وتفكيك الهياكل الاجتماعية والثقافية. في هذا السياق، يأتي دور محور المقاومة كاستراتيجية دفاعية وهجومية في آن واحد، تقودها إيران كقوة مركزية تجسد رفض التبعية والخضوع للنظام الإمبريالي العالمي. هذه الدراسة تتناول هذا الدور بشكل معمق، ثم تناقش آفاق المستقبل للأمة في ظل هذه الحرب، مع التركيز على الإطار النظري ما بعد الكولونيالي الذي يرى في المقاومة ليس مجرد رد فعل، بل إعادة إنتاج للذاتية السياسية والثقافية.
المنهج ما بعد الكولونيالي وفهم محور المقاومة
يُعرف المنهج ما بعد الكولونيالي الصراع في الشرق الأوسط كامتداد للاستعمار الكلاسيكي، حيث تحول الاستعمار الاستيطاني الصهيوني إلى شكل حديث من السيطرة يعتمد على الدعم الإمبريالي الأمريكي والغربي. فانون، في “معذبو الأرض”، يصف المقاومة المسلحة كعملية تحرر نفسي وجماعي، حيث يتحول المستعمَر من ضحية إلى فاعل تاريخي. في حالة محور المقاومة، تُجسد إيران هذا التحول: فالثورة الإسلامية عام 1979 لم تكن مجرد تغيير داخلي، بل إعلاناً عالمياً برفض الإمبريالية، وتأسيساً لنمط جديد من السيادة يعتمد على الوحدة الإسلامية والعدالة الاجتماعية بدلاً من التبعية للرأسمالية الغربية.
من منظور ما بعد كولونيالي، يُفكك محور المقاومة الخطاب الاستعماري الذي يصف إيران وحلفاءها بـ”الإرهاب” أو “الطائفية”، بينما يُبرز الواقع أن هذا المحور يمثل تحالفاً عابراً للطوائف والقوميات (شيعة، سنة، علمانيين، وطنيين) يواجه مشروعاً استعمارياً يهدف إلى تجزئة المنطقة. سعيد في “الاستشراق” يوضح كيف يُستخدم الخطاب الغربي لتبرير الهيمنة، وهنا يأتي دور إيران كقائدة للمحور في إعادة كتابة السردية: من خلال دعم المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن والعراق، تحولت المنطقة من ساحة للاستعمار إلى ميدان للتحرر. هذا ليس تحالفاً عسكرياً فحسب، بل مشروعاً حضارياً يعيد بناء “الأمة” ككيان متماسك ضد التقسيم الاستعماري الذي فرضته اتفاقيات سايكس-بيكو وما تلاها.
دور محور المقاومة في صد العدوان الصهيوامبريالي: أبعاد استراتيجية وتكتيكية
يتمثل دور محور المقاومة في صد العدوان على مستويات متعددة: العسكري، السياسي، الاقتصادي، والثقافي.
عسكرياً، شكل المحور “حلقة نار” حول الكيان الصهيوني، حيث ساهمت فصائل مثل حزب الله في لبنان، وحماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، وأنصار الله في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، في إرهاق قدرات العدو. إيران، كقائدة، قدمت الدعم اللوجستي والتدريبي والتكنولوجي، مما مكن هذه الفصائل من تطوير قدرات صاروخية وطائرات مسيرة غير تقليدية، تحولت بها المواجهة من دفاع سلبي إلى ردع فعال. هذا الردع حال دون توسع العدوان الصهيوني في أكثر من مناسبة، وأجبر الإمبريالية على إعادة حساباتها الاستراتيجية.
سياسياً، نجح المحور في كسر عزلة المقاومة، حيث أصبحت إيران صوتاً للأمة في المحافل الدولية، رافضة الاتفاقيات الاستسلامية مثل أوسلو أو اتفاقيات التطبيع. هذا الدور يعكس رفضاً ما بعد كولونيالياً لـ”السلام” الذي يفرضه المنتصر الاستعماري، ويؤكد على حق الشعوب في المقاومة المسلحة كوسيلة مشروعة للتحرر. اقتصادياً، ساهم المحور في مواجهة الحصار الإمبريالي من خلال تطوير اقتصاد مقاوم يعتمد على الاكتفاء الذاتي، كما في برنامج إيران النووي والصاروخي الذي يرمز إلى الاستقلال التكنولوجي ضد الاحتكار الغربي.
ثقافياً، أعاد المحور بناء الوعي الجماعي من خلال سردية “المقاومة” التي تحول الشهداء إلى رموز تحرر، مستلهمة من التراث الإسلامي والتاريخ العربي. هذا يتوافق مع بابا في مفهوم “الهجينية”، حيث يمزج المحور بين الهوية الإسلامية والنضال المعاصر، مما يخلق هوية مقاومة غير قابلة للاستيعاب الاستعماري.
الحرب الوجودية: طبيعتها وتأثيرها على الأمة
الحرب الوجودية ليست حادثة عابرة، بل هي ذروة لمشروع صهيوإمبريالي يهدف إلى إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، من خلال تدمير أي قوة قادرة على التحدي. من منظور ما بعد كولونيالي، تمثل هذه الحرب استمراراً للعنف الاستعماري الذي يرى في وجود الأمة العربية الإسلامية تهديداً لوجود “الغرب” نفسه. دور المحور هنا كان حاسماً في تأخير هذا المشروع، وفي إلحاق خسائر اقتصادية وسياسية بالعدو، مما أثبت أن الإمبريالية ليست لا تُقهر.
مستقبل الأمة العربية الإسلامية: رؤية ما بعد كولونيالية
رغم التحديات، يبشر مستقبل الأمة بعهد جديد من الوحدة والتحرر. محور المقاومة، بقيادة إيران، يمهد الطريق لـ”أمة” ما بعد كولونيالية تعتمد على الاعتماد الذاتي، الوحدة الإسلامية، والعدالة الاجتماعية. هذا المستقبل يتضمن إعادة بناء مؤسسات سيادية، تطوير اقتصاد مقاوم، وتعزيز الوعي الثقافي الذي يرفض التبعية. في ظل الحرب الوجودية، ستخرج الأمة أقوى، كما خرجت الشعوب المستعمَرة سابقاً من رماد الاستعمار، لتشكل نظاماً دولياً متعدد الأقطاب يعتمد على العدالة لا على الهيمنة.
خاتمة
محور المقاومة بقيادة إيران ليس مجرد تحالف عسكري، بل مشروع تحرري ما بعد كولونيالي يعيد للأمة العربية الإسلامية كرامتها ومستقبلها. في مواجهة العدوان الصهيوامبريالي، أثبت هذا المحور قدرته على الصمود والرد، ممهداً لعصر جديد من السيادة والوحدة. المستقبل ينتمي للشعوب المقاومة، وليس للمستعمرين، وستبقى المقاومة شعلة تضيء طريق التحرر للأجيال القادمة.
كاتب فلسفي


أحداث منطقة الخليج منذ “حرب الخليج”لسنة1991 وغزو العراق سنة2003 يفندا ن سردية إيران المقاومة “للشيطان الاكبر”و الرافضة”للاستكبار”
التاريخ يفند بقوة سردية المقال، وعلى الباحثين عن الحق والحقيقة العودة الى 2003 وما قبلها وما بعدها