د. طارق ليساوي: جغرافيا الأفول: من “شريان” الإمبراطورية البريطانية إلى “نزيف” العصبية الأمريكية..

د. طارق ليساوي

إن القراءة العميقة للتاريخ الإنساني، وتحديداً في شقه المتعلق بصعود وهبوط الوحدات السياسية الكبرى، تؤكد لنا أن الإمبراطوريات لا تسقط بضربة قاضية مفاجئة من عدو خارجي بقدر ما تتآكل من الداخل بفعل حتميات تاريخية وسنن اجتماعية واقتصادية لا تحابي أحداً. وفي مقالنا السابق، حين توقفنا عند خطاب الرئيس ترامب في الأول من أبريل 2026 بشأن الحرب على إيران، لم نكن نحلل مجرد نص سياسي عابر، بل كنا نرصد “أزمة عصبية” بمعناها الخلدوني ؛ حيث كشف الخطاب فجوة هائلة بين “لغة الحسم” التي تحاول استعادة هيبة مفقودة، وبين “واقع العجز” الذي يفرضه التمدد المفرط والإنهاك البنيوي.

انكشاف إمبراطوري

اليوم، ونحن نرقب نذر المواجهة في مضيق هرمز وتصاعد كلف الهيمنة، نجد أنفسنا مدفوعين لاستنطاق التاريخ ليس من باب الترف الفكري، بل لاستقراء المآلات؛ فالسؤال الذي يطرحه الواقع اليوم ليس: “هل ستنتصر أمريكا عسكرياً؟”، بل هو: “هل تمتلك أمريكا القدرة على تحويل أي تفوق عسكري إلى استقرار سياسي وشرعية دولية؟”. وللإجابة على هذا التساؤل الوجودي، سنبحر في ثلاث محطات فارقة: أزمة السويس 1956، والانسحاب من أفغانستان 2021، وسقوط الاتحاد السوفيتي 1991؛ لنثبت أننا لسنا أمام أزمة عابرة، بل أمام نمط متكرر من “الانكشاف الإمبراطوري” الذي يسبق الانهيار الكبير.

أولاً: أزمة السويس 1956..

تمثل أزمة السويس في عام 1956 المختبر التاريخي الأول لفهم كيف يمكن لإمبراطورية عظمى (بريطانيا آنذاك) أن تكتشف فجأة أنها لم تعد سيدة قرارها، وأن قوتها العسكرية الفائقة لم تعد كافية لضمان بقائها كقوة عالمية أولى. حين أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، لم يكن القرار مجرد إجراء اقتصادي، بل كان طعنة في “شريان الحياة” الإمبراطوري البريطاني، وهو ما استدعى رداً عسكرياً منسقاً بين لندن وباريس وتل أبيب فيما عُرف بالعدوان الثلاثي.

عسكرياً، حقق الحلفاء نجاحات تكتيكية سريعة، لكن الصدمة التي هزت أركان “داونينج ستريت” لم تأتي من خنادق بورسعيد، بل من أروقة واشنطن. لقد استخدمت إدارة أيزنهاور سلاحاً لم تكن بريطانيا تتوقع استخدامه ضد “حليف استراتيجي”: الضغط المالي الخانق والتهديد بانهيار الجنيه الإسترليني. وهنا تبرز الدروس التي نحتاجها اليوم؛ فالإمبراطورية لا تسقط بالضرورة في ساحة المعركة، بل تسقط حين تصبح كلفة الحرب غير قابلة للاحتمال اقتصادياً، وحين تكتشف القوة العظمى أن “شرعيتها الدولية” قد تآكلت إلى الحد الذي يجعل أقرب حلفائها يتخلون عنها.

سويس أمريكا

إن ما قاله المؤرخ “ستيوارت وارد” حول ثقب السويس لبرستيج الحكومة البريطانية، ينسحب تماماً على الواقع الأمريكي الراهن؛ فأمريكا التي تحاول اليوم تأمين ممرات الملاحة في الخليج ضد إيران، قد تكتشف في لحظة “سويسية” مشابهة أن أعباء تحمل شبكة واسعة من القواعد في الخارج أصبحت تفوق قدرة الداخل على الاحتمال، وأن التهديد بانهيار “البترودولار” أو فقدان السيطرة على الأسواق المالية قد يكون هو “الجنيه الإسترليني” الجديد الذي يجبر واشنطن على انسحاب مذلٍ يعلن نهاية عصر القطب الواحد.

ثانياً: أفغانستان 2021..

إذا كانت السويس هي لحظة “الانكشاف”، فإن أفغانستان 2021 هي لحظة “العجز المطلق” عن تحويل التفوق العسكري إلى نظام سياسي مستدام. لقد أنفقت الولايات المتحدة عشرين عاماً، وأكثر من تريليوني دولار، وفقدت آلاف الأرواح، لتكتشف في نهاية المطاف أن القوة الخشنة (Hard Power) قادرة على الهدم وتدمير الخصوم، لكنها عاجزة تماماً عن بناء “عصبية” بديلة أو مؤسسات وطنية صامدة.

فشل الفكرة الإمبراطورية

الانسحاب الكارثي من كابول، وسقوط الجيش الأفغاني -الذي أُنفق على تدريبه المليارات- في غضون أيام، لم يكن مجرد فشل استخباري، بل كان برهاناً ساطعاً على “فشل الفكرة الإمبراطورية” ذاتها؛ الفكرة القائلة بأن القوة العظمى يمكنها إعادة تشكيل المجتمعات على صورتها قسراً. إن تحليل الدكتور “أوستن رايت” حول “موجات الاستسلام المتتالية” (Cascades of Surrender) يكشف لنا حقيقة مرعبة: الجيوش التي تُبنى بالوكالة، والولاءات التي تُشترى بالدولار، تتبخر بمجرد توقف تدفق الأموال أو شعور الجنود بأن “المركز” قد فقد إرادته في القتال.

أمريكا أولاً

إن الدرس المستفاد من أفغانستان، والذي يجب أن تعيه دول منطقتنا، هو أن شعار “أمريكا أولاً” ليس مجرد شعار انتخابي لترامب، بل هو تعبير عن تآكل “الالتزام الإمبراطوري” تجاه الحلفاء؛ فالإمبراطورية المنهكة في الداخل تميل دائماً للتضحية بحلفائها الصغار من أجل “فن الصفقة”. وتكرار هذا السيناريو في المواجهة مع إيران يعني أن أي رهان على “المظلة الأمنية الأمريكية” هو رهان على سراب، لأن القوة التي لا تستطيع بناء نظام مستقر في أفغانستان بعد عقدين، لن تستطيع بناء أمانٍ دائم في الخليج بعد حرب استنزافية جديدة.

ثالثاً: سقوط الاتحاد السوفيتي 1991..

تأتي المحطة الثالثة، وهي سقوط الاتحاد السوفيتي، لتقدم لنا الدليل القاطع على أن الإمبراطوريات قد تنهار وهي في قمة قوتها العسكرية. في عام 1991، كان السوفييت يمتلكون 30 ألف رأس نووي وجيشاً من 4 ملايين جندي، ومع ذلك انهار الكيان العملاق في أشهر قليلة دون إطلاق رصاصة واحدة من الناتو. لماذا؟ لأن “العصبية” تآكلت، والإيمان بالمشروع فُقد، والداخل انهار معنوياً واقتصادياً قبل أن ينهار الخارج عسكرياً.

البوتيمكينية المؤسسية

إن ما أشار إليه الباحث الروسي “توشينكو” حول “العامل الذاتي” وفقر خيال القيادة السوفيتية، يجد صداه اليوم في الاستقطاب الحاد داخل المجتمع الأمريكي، وتراجع الثقة في المؤسسات، والديون السيادية التي بلغت أرقاماً فلكية. الإمبراطورية الأمريكية اليوم تعاني من “البوتيمكينية المؤسسية”؛ واجهة براقة للقوة، لكنها تخفي خلفها مجتمعاً منقسماً واقتصاداً يعيش على الاقتراض. وكما انهار الاتحاد السوفيتي بفعل قوى “الطرد المركزي” للقوميات، فإن أمريكا تواجه اليوم قوى طرد مركزي مجتمعية وطبقية قد تجعل المركز عاجزاً عن الحفاظ على تماسك “الإمبراطورية العالمية”.

رابعاً: البدائل الاستراتيجية.. نحو “كتلة تاريخية”

أمام هذا التوصيف التاريخي لأفول الهيمنة، يبرز السؤال المركزي: ما العمل؟ هل نكتفي بمشاهدة السقوط وانتظار من سيخلف السيد الأمريكي؟ إن الوعي الاستراتيجي يفرض علينا صياغة بدائل تتجاوز منطق “التبعية” نحو “الاستقلالية المنتجة”، ويمكن تلخيص هذه البدائل في أربعة محاور تكاملية:

1- تنويع التحالفات وفك الارتباط الأحادي: على الدول العربية والإسلامية التوقف عن وضع كل بيضها في السلة الأمريكية. نحن نعيش في عالم متعدد الأقطاب (الصين، الهند، روسيا، البرازيل)؛ وهذا يتطلب “حياداً إيجابياً” يجعل مصلحة المنطقة هي البوصلة، وليس الانجرار إلى صراعات القوى الكبرى. إن تنويع الشركاء الاقتصاديين والأمنيين هو الضمانة الوحيدة لعدم السقوط مع سقوط “المظلة” المتهالكة.

2- التكامل العسكري والأمني الذاتي: أثبتت دروس السويس وأفغانستان أن القوى العظمى لا تحمي إلا مصالحها. لذا، فإن البديل هو بناء “نظام أمني إقليمي” يقوم على التصنيع العسكري المشترك، وتوحيد أنظمة الدفاع، والاعتماد على الذات في تأمين الممرات المائية (البحر الأحمر، الخليج، باب المندب) بعيداً عن الاستدعاء الدائم للتدخل الخارجي الذي لا يزيدنا إلا انكشافاً.

3- السيادة المالية وفك الارتباط التدريجي بالدولار: إن سلاح الدولار هو أحد آخر معاقل الهيمنة الأمريكية. فك الارتباط المنظم بالدولار في التجارة البينية، والتوجه نحو العملات المحلية أو سلة عملات مدعومة بالذهب، ليس مجرد خيار اقتصادي بل هو “فعل تحرر” سياسي يمنع واشنطن من استخدام العقوبات المالية كأداة للابتزاز السياسي.

4- إحياء المشروع الحضاري و”العصبية” الذاتية: لا يمكن لأمة أن تنهض في فراغ قيمي. البديل الأهم هو الاستثمار في الإنسان، في التعليم والبحث العلمي، وفي تحديث الخطاب الديني ليكون رافعة للنهوض لا معوقاً له. إن بناء “عصبية” عربية وإسلامية متماسكة، تقوم على التكامل الاقتصادي الحقيقي (الذي لا يتجاوز حالياً 10%)، هو السبيل الوحيد لتحويل منطقتنا من “ساحة للصراع” إلى “قطب دولي” يحسب له الحساب في معادلات القوى الصاعدة.

إن ما كشفته الحرب مع إيران، وما تختزنه ذاكرة السويس وكابول وموسكو، يؤكد أننا نعيش لحظة تحول تاريخي كبرى. إن الإمبراطورية الأمريكية لم تعد قادرة على إنتاج “الاستقرار والشرعية”، بل باتت تنتج “الفوضى والدمار”؛ وهو مؤشر المرض الذي ذكره ابن خلدون حين قال إن فائض القوة قد يكون علامة على الهرم لا على العافية.

فرصة استراتيجية

إن “سويس أمريكا” قد بدأت بالفعل في مياه هرمز، وتآكل “عصبيتها” يظهر في شوارع واشنطن المنقسمة. وبالنسبة لنا كعرب ومسلمين، فإن هذا الأفول ليس مدعاة للخوف، بل هو “فرصة استراتيجية” لاستعادة قرارنا المسلوب وبناء كتلة تاريخية وحضارية قادرة على فرض شروطها في عالم لا يحترم إلا الأقوياء بوعيهم وتكاملهم وفهمهم لسنن التاريخ.

اقتصاد في السياسة

ولأن التفاصيل التي تصنع التاريخ لا توجد دائماً بين السطور، ولأن فهم مآلات “سويس أمريكا” الراهنة يتطلب تفكيكاً أعمق للاشتباك المعقد بين لغة الأرقام وصراعات النفوذ.. ندعوكم لمشاركتنا رحلة البحث عن “الصورة الكاملة” في برنامجكم: “اقتصاد في السياسة”،كل يوم اثنين على الساعة 19:00 بتوقيت المغرب 20:00 بتوقيت القدس الشريف، لنقرأ ما وراء العناوين، ونربط الحاضر بسننه التاريخية، حتى  لا نظل أسرى الزاوية الواحدة. رابط قناتنا على اليوتيوب:    TarikLissaouiكونوا في الموعد.. فالمعرفة هي أولى خطوات الاستقلال..والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..

 أكاديمى وكاتب مغربي..

Print This Post

ندرك جيدا أنه لا يستطيع الجميع دفع ثمن تصفح الصحف في الوقت الحالي، ولهذا قررنا إبقاء صحيفتنا الإلكترونية "راي اليوم" مفتوحة للجميع؛ وللاستمرار في القراءة مجانا نتمنى عليكم دعمنا ماليا للاستمرار والمحافظة على استقلاليتنا، وشكرا للجميع للدعم:

الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان. وان لا يزيد التعليق عن 100 كلمة، والا سنعتذر عن عدم النشر.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here