
د. محمد الفرسيوي
تقصف أميركا-إسرائيل المنشآت المدنية الحيوية في إيران (جامعات- مراكز علمية- مؤسسات طاقية نفطية صحية طبية- مدارس- جسور- متاحف ومعالم حضارية- الأمن الغذائي… الخ), ويتم التهديد بتدمير المزيد من هذه المنشآت بما في ذلك الطاقية والنووية السلمية منها (رغم مخاطر الاشعاعات الخطيرة على كل المنطقة؟)..
يصرح ترامب-النتن بكل هذا, ويتم إعلانه على الملأ في قنوات الإعلام وفي ما صار معروفا بوسائل التواصل الاجتماعي.. فما هي الرسائل والدلالات..؟
تتعدد التحليلات والمقاربات والقراءات والتأويلات بخصوص هذه “الظاهرة المرضية”, خصوصا وأنها تصدر عن أشخاص يوصفون بأنهم “غير أسوياء”.. واحد على رأس “دولة عظمى” تريد الحفاظ على هيمنتها الأحادية على العالم بأي ثمن, وآخر يوجد على رأس كيان مغتصب لقيط مؤقت, يحلم بإسرائيل التوراتية اليهودية من البحر الى البحر..؟
في هذا السياق, يرى البعض أن المعتدي الصهيو-أميركي قد دخلا-قولا وفعلا- “منطقة التخبط القصوى” في هذه الحرب مع إيران (ومن معها).. بينما يعتقد البعض أن الأمر موصول ببحث ترامب-النتن عن “أوراق ضغط استراتيجية قاسية؟” عبر ورقة التدمير الشامل لهذه المنشآت الإيرانية الحيوية والتهديد بما تمت تسميته علنا “بإعادة إيران الى العصر الحجري”, معتقدا أن هذا قد يقود إلى اقتياد إيران الى مفاوضات تتحقق فيها الشروط التي يريدها أو على الأقل تلك التي قد “تحفظ ماء الوجه” بما يتناسب مع اعلان “انتصار افتراضي” و”عدم فقدان النفوذ في غرب آسيا بصفة كاملة أو نهائية.؟
هذا السلوك الحربي الذي يبدو مستغربا ومستهجنا لدى الغالبية العظمى من المتابعين في العالم (القيام باقتراف “جرائم حرب” وإعلانها ثم الاحتفال بها علانية؟), تظهر- للعميان قبل العيان- ليس حالة “التخبط الأعمى” و”الجنون المرضي” فقط, أو “البحث الوهمي” عن “مكاسب غير مستحقة بلغة الميدان” أو عن “انتصار افتراضي متلفز” يحفظ ماء الوجه فحسب, ولكنه يعكس أيضا حالة تصريف أعراض “عقدة سيكولوجية امبريالية أطلسية غربية مستفحلة” تجاه كل “نموذج تنموي متطور من خارج الصندوق الغربي ونموذجه وثقافته ومركزيته الشوفينية”..
هذا الشذوذ الفرط-امبريالي-صهيوني-توحشي الذي قد لا يتورع في اللجوء الى “الوسائل الحربية القذرة جدا”, وهو ينكسر اتباعا أمام إيران (ومن معها), يبحث عن مخرج على مقاصه غير موجود، بل لا وجود له أصلا ومفصلا..؟
والحالة هذه, لا أوراق أخرى لدى المعتدي غير هذا التوحش الناجز والملوح به- وهي محدودة ومقدور علي تحملها- سيما وأن هذه الحرب الموصوفة “بآخر الحروب” في غرب آسيا, أو بالخطوة الأخيرة نحو عالم بأقطاب متعددة أو “بالمسمار ما قبل الأخير في نعش الإمبراطورية الأميركية الأطلسية”, هي حرب من يملك القدرة على الصمود الطويل وعلى النفس الطويل, ومن يتحمل الأوجاع والخسائر أكثر, ومن يستطيع أن يدخل العدو في حلقة لا تنتهي من الاستنزاف الاقتصادي والسياسي والنفسي والأخلاقي.
كاتب من المغرب