
رغيد النحّاس
أذكر اليوم الذي انتبهت فيه إلى أنّ جدّي لم يكن تمامًا كما كنت أظنّ. لم يسبق لي أنْ رأيت عينيه تتألّقان بالرضا الذي كانتا عليه في ذلك اليوم. حتّى أنّه حين حنى رأسه للوراء قليلًا، بانت على وجهه ابتسامة استهجان عريضة وبدا كأنّه طفل صغير لمح فجأة كوز بوظة كبير الحجم، متعدّد النكهات. ذهلت، وانتابني فضول كبير لمعرفة سبب هذا التعبير غير المألوف على وجه الحاجّ رضا، جدّي لأبي، الذي لم أر فيه من قبل سوى الرصانة والجدّ.
كنّا نذكره بعبارة “جدّو الحاجّ رضا”، ونناديه بكلمة “جدّو”، الشاميّة الشعبيّة التي حلّت محلّ “جدّي” الفصيحة. كان في الثمانين، وأكثر ما تكرّس في مخيّلتي عنه هندامه وطريقة مشيه. كان يلبس قنبازًا أبيض اللون مخطّطًا بأسطر من النقاط الرماديّة أو الذهبيّة، محبوسًا إلى خصره بنطاق رماديّ أو ذهبيّ اللون، لا يظهر منه إلاّ الجزء الأماميّ بين طرفيّ “الساكو”، تلك السترة الغربيّة المزدوجة الصدر، الممتدّة إلى الركبتين، والتي كان يتركها مفكوكة الأزرار وهو يرتديها فوق القنباز. السترة في معظم الحالات رماديّة اللون، وأحيانًا بنيّة. كان هذا المزيج من الهندام المحلّيّ والأجنبيّ يميّز الرجال الكهول المبجّلين في الأحياء القديمة من المدن السوريّة، بيد أنّ الطابع المحلّيّ كان يطغى على هيئته، بأنفه الساميّ، ولحيته البيضاء القصيرة، وخصوصًا الطربوش الأحمر الذي كان يحمي رأسه ويستر صلعته. ويتميّز الطربوش عند حافته بنطاق من قماش ذهبيّ اللون. أمّا حذاؤه الأسود فكان أشبه ما تكون عليه جزمة الجنديّ. تحت كلّ هذا، كانت ملابسه الداخليّة من قطعتين طويلتي الكمّين والساقين، من الصوف شتاء، والقطن صيفًا. كنت دائمًا أراه في حلّته الداخليّة وهو يتوضّأ مستخدمًا البركة التي تتوسّط ديار منزله العربيّ.
كان يمشي بسرعة، ويكره المواصلات العامّة والخاصّة، ولم يقُد سيّارة في حياته. حين كنت صبيًّا يافعًا أمشي معه، أذكر أنّني كنت أضطر للعدو قليلًا لألحق به، على الرّغم من أنّني ما تجاوزت السابعة من عمري، وكنت أرتدي بلطالي القصير وحذائي المريح. وحدّث ولا حرج أنّه كان في كامل هندامه، منحني الظهر، ويحمل بين ساقيه فتقًا بعمر ثلاثين عامًا رفض معالجته. كما أنّ أيًّا من فردتي حذائه ما كان يرتفع عن الأرض لحظة. كان يشحط شحطًا، تتقدّم قدمه اليمنى فتلحق بها اليسرى، وحين تقف الأخيرة، تتقدّم الأولى. ولا أعلم إنْ كانت مشكلته فقدان قوّة رفع القدمين، أو فقد مرونة الركبتين، أو أنّ الفتق فرض هذا النوع من المسير، ولربّما اجتماع كلّ هذه العوامل! مع كلّ هذا الجهد، لم أستغرب الجدّيّة التي كانت دائمًا تترجم نفسها في تعابير وجهه. ومع ذلك، كان دائمًا مصمّمًا عازمًا يتّجه إلى الأمام.
حين كنت طفلًا، وكان يصطحبني في مشيه، كان يقبض بكفّه على كفّي بإحكام، دون أنْ يترك لي مجالًا للإفلات. كانت يده قويّة، وقبضته بمقدار تصميمه على حمايتي من عبث المرور في الحارات والأسواق الضيّقة المزدحمة في دمشق القديمة: بشر، عربات، حمير، درّاجات، سيّارات، وحتّى باصات. وعلى عكس والدي وعمّي، كان جدّي يفضّل المرور من سوق “مدحت باشا”، الشارع الرئيس بين منطقة منزله ومنطقة الأسواق التجاريّة، بدل سلوك طرق مختصرة عبر الحارات الخلفيّة للحيّ القديم. لم تكن هناك أرصفة في معظم سوق مدحت باشا، وفي أماكن كثيرة منه كان أصحاب المحلّات والمارّة والسائقون والدواب يتشاركون في بحيرة الفوضى الواحدة. حين كان يصل الباص الكبير، مقتطعًا أكثر من حصّته من الشارع، كان كثير من المارّة يهرع داخل المحلّات، أو على الأقلّ يقف ملتصقًا بأقرب جدار، دون أنْ يمنع هذا بالضرورة بعض راكبي الدرّاجات من أنْ يحشر نفسه بين الباص والناس الملتصقين بالحائط، وأحيانًا يندفع كالسهم فخورًا باستعراض جنونه على حساب هلع الآخرين.
اليوم لن أشعر بأيّ ألم في يدي. بلغت سنتي الثانية عشرة، وتمتّعت بقدر لابأس به من صفات الشباب. كثافة الشعر المنتشر في جسمي كافية لردع جدّو عن مجرّد التفكير بإمساك يدي. حين مشيت إلى جانبه، أو خلفه، وأحيانًا أمامه، حسب حالة المرور، كان عليّ أنْ أناور بمهارة لأجاري تقدّم سيره. كنت ألحظ أنّه حينما كان يقلق عليّ بسبب تغيّر مفاجئ في حركة المرور، كان يرفع يده عفويًّا ليمسك يدي، لكنّه يستدرك فورًا برميها على صدره، أو التظاهر بأنّه يسوّي طربوشه!
عصر صيفيّ حارّ. وبينما كنت أغمض عينيّ اتقاء لوهج الشمس، لم يكن وجه جدّو يتبدل قطّ. قد يعود هذا إلى طبيعته الجادّة، أو لأنّه كان متعوّدًا على المشي تحت الشمس بانتظام، طيلة سنين حياته. وعلى الرّغم من أنّ أخاه الأصغر، شريكه في العمل، كان يدير كلّ شؤون المتجر، بيد أنّ جدّو لم يعلن تقاعده الرسميّ أبدًا. كان يزور المتجر يوميًّا. أمّا والدي وعمّي، فكان لهما متجر آخر قريب من متجر والدهما وعمّهما، يديران فيه ضربًا آخر من ضروب التجارة في سوق تعرف بـ”سوق الحرير”، تلك المادّة التي كان جدّي أحد أهمّ تجّارها في دمشق. كانت عادة جدّي أنْ يزور متجر ولديه قبل متابعة طريقه إلى متجره؛ مرّة صباح كلّ يوم، ومرّة في عصر اليوم، بعد عودته من قيلولة بعد الغداء، وأدائه صلاة العصر في منزله.
غادرنا الشارع الرئيس ودخلنا سوق “البزوريّة” المغطّى، المتخصّص بالبذور، والحبوب، والمكسّرات، والفاكهة المجفّفة، والشوكلاته، والعطور، والزيوت، والصابون، والسمن البلديّ. والآن صارت تعابير وجه جدّو تتغيّر حين يردّ على تحيّات أصحاب المتاجر الذين يعرفونه كزبون مهمّ، أو أنّهم يقدّمون واجبات التبجيل لمكانته المهنيّة وتقدّمه عليهم. كان يحيّيهم برفع يده عرَضًَا لتلامس طربوشه في “سلام”، ثم يضرب بها على صدره تأكيدًا، ويبتسم ابتسامة عريضة تفارق ما بين شفتيه لتظهر نيرته عارية عن الأسنان التي فقدها منذ سنين طويلة، ولأنّه رفض استعمال أسنان مستعارة، صارت تلك النيرة على درجة كبيرة من القوّة والصمود مع مرور الأيّام.
ثم ننتقل إلى سوق الصاغة، خلف الجامع الأمويّ، بمحلّاته الكثيرة التي يتنافس أصحابها بعرض مجوهراتهم ومختلف إنتاجهم من المصاغ، أو ما استوردوه، في واجهات زجاجيّة يرتـّبونها كلّ صباح.
نخرج من هذا السوق المغطّى إلى فسحة سماويّة قصيرة نسبيًّا، قبل أنْ ندخل في شبكة من الأسواق المغطّاة الأخرى التي تتعاطى تجارة الأقمشة، ويصبّ معظمها في سوق الحميديّة.
في واحد من تلك الأسواق، يقع “خان الشيخ قطنا”، وفيه متجَرا جدّي ووالدي. دون أنْ ينطق بكلمة، انطلق جدّو كالرمح داخل متجر والدي باتجاه مجلسه المفضّل، كرسيّ في قسم الزبائن، يقع مباشرة قرب زاوية شكّلها مقعد والدي الرئيس مع مناضد تشكّل حاجزًا بين منطقة الزبائن ومنطقة التخديم التي كان يقف فيها والدي وعمي ومساعداهما لفرد القماش وعرضه على الزبائن، وقياسه، وقصّه، ولفّه. كانت لفّات القماش، التي يطلق على واحدها “توب أْماش” باللّهجة الشاميّة، تصطف على رفوف تغطّي كلّ جدران المتجر، وكان القماش في معظمه للاستهلاك النسائيّ، وبالتالي كان معظم الزبائن من النساء.
كان جدّو يختار الجلوس في ذلك المكان لأنّه كان سهل المنال، فلو أنّه أراد الدخول إلى خلف مكتب والدي في صدر المتجر، لكان عليه حشر نفسه في ممرّ وحيد ضيّق جدًّا بين منضدة التخديم ورفوف القماش على طول المتجر كلّه. كانت زيارته لمتجر أبي بعد الظهر لا تدوم أكثر من نصف ساعة، وقد تتضمّن استشاراتٍ ومناقشة بعض الحسابات أحيانًا، يذهب بعدها إلى متجره فيمضي ساعتين، ثم يعود إلى المنزل ليصلّي المغرب، ثم يتناول وجبة، فصلاة العشاء، قبل أنْ ينطلق مجدّدًا إلى سوق مدحت باشا، ولكن هذه المرة يغادره في نهايته إلى شارع النصر، حيث يتوجه إلى المقهى القابع قرب محطّة الحجاز في قلب دمشق.
وقفتُ وراء المنضدة مقابل جدّي، طامعًا بمساعدة الآخرين في عرض وبيع القماش، والحصول على موافقة والدي في قضاء عطلتي المدرسيّة في متجره لأكتسب خبرة البيع. أمّا كرسيّ جدّو، فكان في موضع حرج بين المنضدة وباب مغلق يؤدّي إلى مستودع داخليّ، وعلى الباب مرآة كبيرة تساعد النسوة على تأمّل أنفسهن وهنّ يناسبن القماش على أجسامهن.
حين كان المتجر يعجّ بالزبائن، كان جدّو يضيع في زحمة الرجال والنساء المساومين والمساومات. كان عادة غير مبالٍ بمن حوله، يثبّت نظره على الأرض وهو يمرّر سبحته بين أصابعه، ورسغه يرتكز فوق ركبة ساقه الملتفّة فوق ساقه الأخرى. كلّما مرّر أحدنا القماش فوق المنضدة لسيّدة لتطرحه فوق كتفها، كان يدير وجهه، أو يتراجع بجسمه إلى الوراء متلافيًّا القماش.
كنت أعتقد أنّ جدّو فقد الرغبة في النساء منذ زمن غابر. كان يكبر جدّتي بأكثر من ثلاثين سنة، ومنذ أنْ فتحت عينيّ على الحياة لم أرهما، أو أشعر أنّهما على علاقة زوجيّة. كانت له غرفة نومه الخاصّة، وكان لها غرفتها، لكنّها كانت ترعاه كامل الرعاية. وكان يستعين بأصغر بناته من أجل احتياجاته التي لا تقدر جدّتي على القيام بها، بما في ذلك الإصغاء إلى الأذان المنبعث من الجامع الأمويّ لتنبّهه إلى حلول وقت الصلاة. وكان يقضي معظم ما يتوفر له من الوقت في قراءة القرآن، وهو جالس قرب نافورة داره العربيّة.
ردّة فعله اليوم لم تكن معتادة. كانت عيناه تتألّقان بنظرة حنان—نظرة إعجاب وتقدير، مع أنّها كانت تحمل بعض مظاهر نظرات الرجال المنبهرة حين يستحسنون ما تقع عليه عيونهم من النساء. سرّني جدًّا أنْ أكتشف هذه الخصلة في جدّي، وهي صفة ربّما لم يكن هو نفسه واع لها. لكنّها كانت هناك، وهذا ما أثلج صدري، لأنّ انطباعنا عن جدّي كان أنّه عمليّ. كان رأس العائلة وسيّدها، وكان علينا احترامه. كانت خطواته معلومة، يتبع برنامجًا في النوم، والأكل، والصلاة، وقراءة القرآن، وزيارة المقهى. في المقهى كان يحتسي الشاي، ويدخّن النرجيلة، ويلعب النرد. تلك هي ما تبقى له من ترفيه في هذه الحياة. كان ثريًّا من قبل، لكنّه لم يكن ممّن يحبّون التملّك. عدا عن معارفه في المقهى، لم يكن لديه أصدقاء. لم يُلَمّح مرّة أنّه كان شغوفًا بالفنّ، ولا حتـّى ببعض التحف المعروضة داخل منزله. لم أسمعه قط يصف أيّ شيء بأنّه “جميل”. كانت كلماته دائمًا عن التقوى، والأهمّيّة، والمنفعة، والضرر. كنت أسمع منه مسبّة واحدة: “أكل خرا”. بدا لي، ظاهرًا، أنّه “أسود وأبيض”. وإن كانت الألوان هناك، لم يكن من الذين يستعرضونها، هذا إنْ عرف كيف!
كانت ردّة فعله اليوم ما جعلتني واعيًا، منذ ذلك العمر المبكّر، أنّنا كلّنا يملك ألوانًا، لكنّنا نختلف في طريقة عرضنا لها، أو في طريقة إظهار صدقيّتها، أم أنّ بعضنا سيمضي حياته دون توظيفها، ناهيك ما إذا كان واعيًّا لها أصلًا. كما أنّ ذلك اليوم فتح عينيّ على تقدير جمال الجسد الإنسانيّ وأكثر.
حين نظرت إلى مصدر إعجابه، اضمحل تعجّبي! كانت امرأة في بداية الثلاثينيّات، ممشوقة القامة، مثاليّة المقاسات، عينان سوداوان واسعتان، شعر طويل أسود يختفي الجزء الأكبر منه تحت وشاح خمريّ اللّون، وبشرة سمراء داكنة، كأنّ أميرة من الصحراء تجسّدت للتوّ داخل لباس غربيّ ضيّق يفضح تقاسيم جسمها الرشيق. ثمّة بريق داخليّ كان يغطيها بهالة يجعلها تشدّك إليها شدًّا، لكنّي لم أتصور أنّ جدّو سيهتمّ بذلك. حين نظرت مليًّا كيف رمت قطعة من الحرير المذهب فوق كتفها وحول خصرها، مرورًا بواحد من ثدييها البارزين، تراءى لي بوضوح، ضمن إطار المرآة، جسمًا مكتنزًا موشّحًا بالذهب، وأحد الكتفين وثدي تحته صارخين في التعرّي، وكذلك الساق في الجهة المقابلة من الجسم، والركبة مثنيّة قليلًا، تكشف المفاتن من تحت الحافّة الحريريّة للقماش: لوحة مدهونة بالأسود والأصفر، معلّقة في متحف اللوﭬر.
رغيد النحّاس دكتور في العلوم، وكاتب وناشر أستراليّ من أصل سوريّ-لبنانيّ.
www.raghidnahhas.com