رندا حتامله: الأردن رفع البنزين بتسعة قروش أم منع الانهيار بثمن الشعبوية؟

 

رندا حتامله

 نبض الشارع الأردني يتسارع، فيأتي قرار رفع أسعار البنزين ليضرب وترًا حساسًا، محولاً كل محطة وقود إلى مسرح للغضب المكبوت، و ليس هذا قرارًا عشوائيًا، ولا مجرد جباية كما يصرخ الخطاب الشعبوي على وسائل التواصل الاجتماعي، بل خطوة محسوبة في رقصة دقيقة بين الضغوط العالمية والتوازن المالي الوطني، وعندما نفكك هذا القرار ليس كحدث إخباري عابر، بل كقطعة أساسية في لوحة اقتصادية أكبر، حيث يبرز الفارق بين السعر العالمي للمحروقات وسعرنا المحلي كدليل على حكمة الإدارة لا تهورها.

 تخيلوا لو أن سعر برميل النفط الخام، الذي تجاوز 85 دولارًا في الأسابيع الأخيرة مدفوعًا بتوترات الشرق الأوسط واضطراب سلاسل التوريد العالمية، انعكس كاملاً على مضخاتنا، حسب آلية تسعير المحروقات الأردنية، التي تربط الأسعار المحلية بمتوسط سعر النفط العالمي خلال الشهر السابق مع إضافة تكاليف الشحن والضرائب، كان يجب أن يرتفع سعر بنزين أوكتان 90 إلى نحو 1.05 دينار للتر، بزيادة تصل إلى 25 قرشًا عن السعر السابق، لكن ما طبقته الحكومة فعليًا زيادة متواضعة بـ9 قروش فقط، أي أقل من نصف ما يستحقه السوق العالمي، وهذا الفارق ليس صدفة إنه امتصاص متعمد للصدمة السعرية، حيث تحملت الحكومة عبئا إضافيًا يقدر بنحو 150 مليون دينار سنويًا من ميزانيتها المضغوطة أصلاً.

 وهذا الامتصاص ليس مجانيًا، بل مرتبط ارتباطًا وثيقًا بدعم السلع الأساسية، ذلك الدعامة الرئيسية لاستقرار الأسر الأردنية، ففي الوقت الذي تُدار فيه أسعار الكهرباء والمياه والغاز والخبز بدعم حكومي يفوق المليار دينار شهريًا، يصبح تسعير المحروقات جزءًا من هذه المعادلة، و رفعًا جزئيًا هنا يعني الحفاظ على دعم كامل هناك، فلو امتصت الحكومة الزيادة الكاملة، لانهارت ميزانية الدعم، مما يهدد برفع أسعار الخبز بنسبة 20% أو الكهرباء بـ15%، وهو سيناريو يفوق أي غضب حالي، تسعة قروش، إذن، ليست سرقة، بل وقاية من انهيار أوسع، أما الخطاب الغاضب على تويتر وفيسبوك، والذي يصور الحكومة كـلصوص، فيغفل هذه الحقائق لصالح شعبوية سريعة التأثير.

 ماذا لو لم ترفع الحكومة الأسعار أبدًا الإجابة تكمن في تاريخنا الاقتصادي عجز مالي يتجاوز 7% من الناتج المحلي الإجمالي، ودين عام يقارب 90% منه، مع ضغوط إقليمية كالصراع في غزة وسوريا التي تهدد التجارة والسياحة و لو استمرت الشعبوية، لفقدنا ثقة المؤسسات الدولية فالصندوق البريطاني للتنمية والبنك الدولي يشترطان إصلاحات تسعيرية لتمديد الدعم المالي بـ1.5 مليار دولار، هل المطلوب أن تنتحر الحكومة ماليًا لإرضاء صرخات اللحظة، تاركة الاقتصاد عرضة للانهيار كما حدث في دول مجاورة؟

رغم كل ذلك، حافظ الأردن على توازنه الاقتصادي ببراعة نادرة، و نمو بنسبة 2.5% في 2025 رغم الحروب الإقليمية، وتضخم تحت السيطرة عند 2.8%، واستقرار نقدي يعكس دينارًا قويًا مرتبطًا بالدولار، هذه ليست مصادفة، بل نتيجة سياسات نقدية ومالية تركز على الاستدامة لا الإغراء القصير الأجل، و رفع تسعة قروش لم يكن انتحارًا شعبويًا، بل إنقاذًا من الهاوية، وفي النهاية، القرارات الاقتصادية الصعبة كالجراحة المؤلمة تؤذي في اللحظة، لكنها تنقذ الحياة. الأردن ليس بحاجة إلى شعبوية تُغرق السفينة، بل بحاجة إلى فهم جماعي أن تسعة قروش اليوم تحول دون عواصف أكبر غدًا، هل نختار الغضب الآن، أم الحكمة للغد.

كاتبة اردنية

Print This Post

ندرك جيدا أنه لا يستطيع الجميع دفع ثمن تصفح الصحف في الوقت الحالي، ولهذا قررنا إبقاء صحيفتنا الإلكترونية "راي اليوم" مفتوحة للجميع؛ وللاستمرار في القراءة مجانا نتمنى عليكم دعمنا ماليا للاستمرار والمحافظة على استقلاليتنا، وشكرا للجميع للدعم:

الاعلانات

1 تعليق

  1. السعر اصلا غالي جدا وغير معقول قبل الحرب مقارنة مع الدخل واحتياجات اراحة وتسيير اقتصاد جيد وعند رفعه بقيمة عشرة بالمية هذه النسبة بحد ذاتها غير مقبولة في الدول التي يوجد بها عقل جمعي وراي اجتماعي واقتصادي فلسفيها كما تشائين تحت وازع التضليل فقد يقبل بهذا الرأي اعمى البصر والبصيرة.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان. وان لا يزيد التعليق عن 100 كلمة، والا سنعتذر عن عدم النشر.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here