- رأي اليوم - https://raialyoum.indexforce.com -

زياد فرحان المجالي: من الطائرة إلى الجسور: كيف تحولت الحرب على إيران من معركة جوية إلى حرب إنهاك؟

 

زياد فرحان المجالي

الحرب على إيران لم تعد تقف عند حدود السماء. البداية كانت منطقية في حساب القوة: تدمير الدفاعات، توسيع حرية العمل الجوي، ضرب المنصات والمنشآت والقدرات التي يُعتقد أنها تنتج الخطر. لكن المشكلة أن هذا المنطق، على رغم اتساعه، لم يُنتج بعد النتيجة السياسية التي أرادتها واشنطن وتل أبيب. وحين يعجز التفوق العسكري عن إنجاز الحسم، يبدأ الانتقال إلى مرحلة أخرى: مرحلة رفع الكلفة، لا فقط على الجيش، بل على الدولة كلها.

وهنا ندخل إلى أخطر ما في هذه الحرب: انتقالها من معركة جوية إلى حرب إنهاك. فالحديث عن الجسور ومحطات الكهرباء والبنية التحتية ليس مجرد تفصيل عملياتي، بل إعلان ضمني بأن الضربات التقليدية لم تكفِ. عندما يصبح الجسر هدفًا، فالمقصود ليس فقط تعطيل معبر. وعندما تصبح الكهرباء تحت التهديد، فالمقصود ليس فقط إطفاء مدينة. المقصود هو شيء أعمق: ضرب الشرايين التي تجعل الدولة قادرة على العمل، وتجعل المجتمع قادرًا على تحمّل الحرب، وتجعل السلطة قادرة على الظهور بمظهر الدولة التي ما تزال تمسك إيقاع يومها.

بهذا المعنى، تنتقل الحرب من تدمير الأدوات إلى تدمير الشروط. لم يعد الهدف فقط الصاروخ الذي يُطلق، بل الطريق الذي ينقله، والكهرباء التي تغذي المصنع أو المؤسسة، والبنية التي تسمح بإعادة تنظيم الدولة تحت النار. وهذه نقلة نوعية خطيرة، لأنها تعني أن المعركة لم تعد تدور حول من يملك السماء فقط، بل حول من يستطيع أن يُرهق الدولة الخصم إلى الحد الذي يجعل استمرارها في الحرب أكثر كلفة من تراجعها.

وإذا كان إسقاط الطائرة الأميركية قد كشف حدود الهيمنة الجوية، فإن التهديد باستهداف الجسور ومحطات الكهرباء يكشف حدود الحسم العسكري نفسه. فالطرف الأقوى حين يضطر إلى نقل الحرب إلى هذا المستوى، يكون قد اعترف ضمنًا بأن الضربات السابقة لم تُنتج ما يكفي. وهذا لا يعني الضعف بالمعنى المباشر، لكنه يعني أن القوة الصلبة لم تتحول إلى نتيجة مكتملة، وأن الطريق إلى الضغط بات يمر عبر المجتمع والدولة، لا عبر الجبهة وحدها.

هذا التحول له معنى آخر أيضًا: أن الحرب لم تعد تريد فقط أن تكسر القدرة على الرد، بل أن تكسر القدرة على الاحتمال. الجبهة قد تواصل القتال، لكن ماذا عن المجتمع؟ ماذا عن الاقتصاد؟ ماذا عن الثقة بالدولة؟ ماذا عن المستشفيات، والمياه، والاتصالات، وحركة السوق، وصورة السلطة أمام شعبها؟ هنا بالضبط تتحول الحرب إلى حرب إنهاك. فالمسألة لا تعود فقط من يطلق أكثر، بل من يستطيع أن يعيش ويُدير ويصمد أكثر تحت هذا المستوى من الضغط.

ولأن الشرق الأوسط ليس مسرحًا محايدًا، فإن هذا التحول لا يبقى إيرانيًا فقط. حين تدخل الجسور والكهرباء والمرافئ في قاموس الحرب على إيران، لا تعود المسألة شأنًا إيرانيًا خالصًا، بل تصبح سابقة إقليمية. فما يُجرَّب هنا قد يُعاد هناك. وما يُقبل اليوم في طهران قد يُستعاد غدًا في بيروت أو بغداد أو أي ساحة عربية أخرى إذا تقرر أن البنية التحتية نفسها أصبحت جزءًا من “الأهداف المشروعة” تحت ضغط الضرورة والردع. وهذه هي اللحظة التي يتراجع فيها الفاصل بين العسكري والمدني، ويتقدم منطق الحرب الشاملة على ما عداه.

ومن هنا، فإن الحديث عن القانون الدولي لا يصبح ترفًا أخلاقيًا. حين تُهدَّد الجسور ومحطات الطاقة، يُطرح السؤال فورًا: أين يقف القانون الدولي من هذا كله؟ المشكلة أن القانون يبقى حاضرًا في النص، لكن حضوره في الميدان يصبح أضعف كلما تقدم منطق القوة. الجميع يعرف أن استهداف الأعيان المدنية أو غير المتناسبة يفتح باب جرائم حرب محتملة، لكن الجميع يعرف أيضًا أن الحروب لا تتحرك غالبًا وفق نص القانون، بل وفق ما تسمح به القوة أو السكوت أو التواطؤ أو الحاجة السياسية. وهنا لا يكون الخطر في الجريمة نفسها فقط، بل في السابقة التي تتركها خلفها.

وهذه السابقة أخطر من الضربة ذاتها. الضربة تُدمر منشأة. أما السابقة فتُدمر حدًا من حدود الحرب. فإذا أصبح استهداف الجسر أو الكهرباء مقبولًا أو شبه مقبول في حالة واحدة، فإنه يتحول غدًا إلى مرجع ضمني في حالات أخرى. وهكذا تنتقل الحروب من مرحلة إلى مرحلة لا لأن أحدًا أعلن رسميًا توسيعها، بل لأن ما كان استثناءً أمس صار عرفًا اليوم.

في الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذا التصعيد عن تعثر التسوية. فكلما تأخر التفاوض الحقيقي، ازداد إغراء اللجوء إلى مزيد من التدمير لانتزاع شروط أفضل. واشنطن تريد صفقة تُقدَّم بوصفها ثمرة للضغط. إسرائيل تريد أن تُخرج إيران أضعف مما دخلت. وإيران تريد أن ترفض أي نهاية تُشبه الاستسلام. وبين هذه الحسابات، يزداد الميل إلى توسيع بنك الأهداف، ويتراجع احتمال أن تُبقي الحرب نفسها داخل حدودها الأولى.

الخلاصة أن الحرب على إيران لم تعد معركة جوية فقط، بل صارت حرب إنهاك واضحة المعالم. من الطائرة إلى الجسور، ومن المنصات إلى الكهرباء، ومن الردع إلى الاستنزاف، نحن أمام مرحلة أخطر من مجرد تبادل الضربات. إنها مرحلة اختبار لقدرة الدولة على البقاء، وقدرة المجتمع على التحمل، وقدرة القانون نفسه على منع الحرب من ابتلاع الحياة اليومية بالكامل.

كاتب اردني