- رأي اليوم - https://raialyoum.indexforce.com -

سعاد خليل: الاستفهام والتلقي

سعاد خليل

يشكّل الخطاب اللغوي في النص الأدبي فضاءً تتقاطع فيه البنية مع الدلالة، ويتداخل فيه الشكل مع الأثر الجمالي المتولد في وعي المتلقي. ومن بين الظواهر الأسلوبية التي تستدعي تأملًا نقديًا عميقًا يبرز أسلوب الاستفهام بوصفه طاقة تعبيرية تتجاوز حدود الطلب المباشر للمعرفة، لتغدو أداة فاعلة في تشكيل المعنى وإثارة التفاعل الذهني والانفعالي داخل التجربة القرائية.

ولا يقف الاستفهام عند كونه صيغة نحوية أو قالبًا إنشائيًا محدود الوظيفة، بل يتبدّى في سياق النص الأدبي عنصرًا حيويًا يحرّك الدلالة ويؤسس لعلاقة ديناميكية بين النص والمتلقي، بحيث يتحول السؤال من مجرد طلب للإجابة إلى آلية لاستنفار الوعي، وإعادة إنتاج المعنى، وتكثيف الأثر الجمالي.

من هذا المنطلق، يسعى هذا المقال إلى مقاربة أسلوب الاستفهام في ضوء التراث البلاغي العربي، مستكشفًا طبيعته الدلالية، ومكانته في البنية النصية، وحدود انتقاله من دلالته الحرفية إلى آفاقه البلاغية، وذلك في إطار رؤية تنظر إلى اللغة بوصفها فعلاً حيًا يتجدد في كل قراءة.

تتنوع أنماط التراكيب التي يمكن ان يصادفها التلقي داخل النص الادبي أيا ما كان جنسه الادبي المنتمي اليه، وتهدف من هذه السطور الي محاولة تقديم رؤية لواحد من هذه الأنماط

 ذات التأثير الفاعل في تكوين لدلالة داخل النص واحداث التأثير الجمالي في المتلقي حال واصله مع هذا النص .

والمتبع لحركة النقد الادبي في الاونية الأخيرة لأي يخطي الاهتمام المتزايد بلغة النص الادبي اذ يعد الاهتمام بهذه اللغة وسيلة يهيب بها النقاد في الوقوف علي دلالة النص ، وهو ما يتبني علي  سؤال أساسي كيف ادي هذا العنصر اللغوي تلك الدلالة. مثل هذا التوجه اللغوي في النقد انما يؤل في نهاية الامر الي رصد الدور الذي تنهض به اللغة. في اكثر تجلياتها ودقة ورهافة، وهو: النص الادبي .

يقول الكاتب طارق سعد شلبي في مقالة بعنوان جماليات التلقي :

سنحاول في هذه السطور رصد نشاط هذه اللغة متخذين أسلوب الاستفهام نموذجا. حريصين علي التمويل علي يروح الدرس البلاغي القديم، بما ينجينا من الانحصار داخل هذا الدرس بترديد مقولاته، وبما يحقق لنا التقاط، المنهجية، وفلسفته في النظر الي عناصر اللغة .

وبدءا نقرر ان درس الاستفهام كان له وجوده البارز في مجالات بحثية منوعة ونظن في تأمل طبيعة الدرس البلاغي خاصة ما يجعلنا نقف علي كنه هذا الأسلوب اذا كان التعامل البلاغي منصبا فيم نري . علي حيوية الاستفهام ودوره الفاعل داخل النص ، وهو الدور المتبلور في علاقة النص بالمتلقي .

وبعبارة اخري، كان الدرس البلاغي تواصلا مع الاستفهام من حيث هو طاقة ولائية ، اما الدرس اللغوي ، كما مثلته كتابات اللغويين فكان تعملا مع الاستفهام من حيث هو قالب ، ذو ملامح لا ترص د الا من الخارج .

وعليه فلعل في القاء الضوء علي موقع الاستفهام في الدرس البلاغي ما يؤدي الي تحقيق غرضين، ونحن بصدد تحليل هذا النمط من أنماط القول ، الأول : الكشف عن الخلفية التي ينبغي ان تكمن وراء هذا التحليل ، والأخر الكشف عن هذه الحيوية المشار اليها والتي تبرزها جماليات التلقي .

تضع البلاغية الاستفهام ضمن مباحث الانشاء، المنتمي الي علم المعاني، وهذا العلم هو علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضي الحال، وينحصر في ثمانية أبواب ، هي حوال الاسناد الخيري ، حوال المسند اليه . أحوال المسند، حوال متعلقات الفعل، القصر ، الانشاء الفصل ، والوصل ، الايجاز والاطناب والمساواة .

ونظرة الدرس البلاغي القديم للاستفهام تبلور الاحتفاء بالمتلقي وهو ما يتضح في وضع التعريفات ورسل العلاقات الشيء بها يمتاز الاستفهام عن غيره من البني البلاغية الأخرى .

يعد الاستفهام ذا علاقة وثيقة بالرغبة في المعرفة التي تزيل مجهولا، الاستفهام طلب المتكلم نمن مخاطبة ن يحصل في ذهنه ما لم يكن حاصلا عنده مما سله عنه، يصاحب ذلك نشاط عقلي تستثيره هذه الرغبة، ان الاستفهام، اذن له قدرة ذاتية علي جذب انتباه المتلقي.

وربما تكون هذه المسالة في حاجة الي شيء من البيان لقد استشعر القدماء ان الأساليب الانشائية تشبع احتياجا ما لدي المتلقي، ووضعوا لهذا لاحتياج مصطلحا موحيا هو الطلب فهي في مجموعها، تلبي طلبا ولا طالب الا المتلقي يان الاستفهام بمفترق عن سائر الأساليب الانشائية لارتباطه بنوع فريد من الطلب يشبه مساحة المجهول، في الاستفهام أوسع انك في الاستفهام تطلب ما هو في الخارج ليحصل في ذهنك نقش له مطابق.

لا وجود للاستفهام في نص يشوب دلالته او تلقيه ظل من الاعتياد والخمول والرتابة. ان عدم المعرفة حافز مثير للذهن او مركز تنبعث منه حيوية الذهن في التلقي، وهذ الحفز وما ينتج عنه مما يتبلور فيما نسميه أسلوب الاستفهام، وقد ترك في المعرفة اثره في مصطلحات الدرس البلاغي للاستفهام، فالفارق بين الاستفهام والاستخبار يوضحه السيوطي بقوله : قبل الاستخبار ما سبق أولا ولم يفهم حق الفهم ، فاذا سالت عنه ثانيا كان استفهاما .

وهذه الحيوية الدلالية المشار اليها علي خطرها، هي حيوية الاستفهام في ابسط حالاته ، واقربها الي اللغة العادية غير الفنية حين يرد الاستفهام مؤديا وظيفة مباشرة حين يذكر ويراد به المعني الحرفي للسؤال.

ان ثمة انقالا هائلا تتضاعف فيه هذه الحيوية أضعافا كثيرة حي يتجاوز الاستفهام دوره المألوف في تحقيق معرفة بسيطة ليشرف في اكتساب دلالة جديدة ينضاف فيها بعد شعوري وظل دلالي الي الاستفهام البسيط، وهذا ما يتبلور فيما يسمي الغرض البلاغي.

ما الذي يعنيه اذن الغرض البلاغي؟ ان الاستفهام من حيث هو له كما اسلفنا، ثراؤه ونشاطه ومكانته لدي السائل والمسؤول، وحين يكتسب الاستفهام دلالته البلاغية الجديدة ، ونجد ان ثمة تساؤلا مصاحبا لدي المتلقي عن طبيعة تلك النقلة الدلالية الهائلة من الاستفهام البسيط المعتاد الي الاستفهام البلاغي. طبيعة هذا التساؤل لها حيويتها الذاتية هي الأخرى، لاعتمادها الي المفارقة والمغيرة في الدلالة، انتقالا من الدلالة الحرفية الي الدلالة البلاغية. ان الاستفهام البلاغي، اذن لا يلبث ان يكون مركزا ينفصل عليه قدر هائل من نشاط المتلقي.

وهذا الانتقال الدلالي هو ما عبر عنه صاحب المفتاح تعبيرا يشيء بتواصل حميم مع النص وعلاقته، فهو عنده المقام وما يناسبه، وقرائن الأحوال ، متي امتنع اجراء هذه الأبواب علي الأصل تولد منها ما ناسب المقام ، كما اذا قلت هل لي من شفيع . في مقام لا يسع مكان التصديق بوجود الشفيع امنع اجراء الاستفهام علي اصله، وولد بمعرفة قرائن الأحوال. معني التمني.

ولا ينتهي الامر عند هذا الحد: اذ ثمة خطوة تالية يخطوها المتلقي ،يكتشف فيها انه لم يتجاوز الدلالة الاولي البسيطة بلا عودة اذا يبقي قدر ما ملازم من دلالة الاستفهام المشار ،وهو ما يوحد المفارقة التي اشرنا اليها في كنة الأسلوب بالنسبة للمتلقي الذي يتابع الأسلوب في حركة تراجعية ، صور الدلالة الاولي ، وهذه  الدلالة السطحية الباقية الملازمة يطرا عليها انحراف في المسار فثمة مجهول مغاير تتجه اليه هذه ا لدلالة السطحية بعد ان صرفته الوجهة البلاغية عن بقائه علي دلالتها الاصلية .

فاذا تأمنا الاساليب الاستفهامية الدالة على النفس مثلا وجدنا ان الإجابة الافتراضية، لا احد والذي يتولى الإجابة هو السامع. فيصعب بعدئذ ان يتراجع او ان ينسي ما قرره بنفسه لأنه صدر بعد اعمال الذهن والتأمل أي ان الاستفهام في أصل موضعه يتطلب جوابا يحتاج الي تفكير يقع به هذ الجواب في موضعه

ولم كان المسؤول يجب، بعد تفكير ورؤية عن هذه الأسئلة بالنفي كان في توجيه السؤال اليه حمل له علي الإقرار بالنفي ، ولعلنا بذلك نفطن الي ان أسلوب النفي الصريح يبقي دون الاستفهام المؤدي نفس الدلالة بما يرتبط به الاستفهام من جماليات للمتلقي ليست للنفي ويمكن ان نقيس علي ذلك سائر الأغراض البلاغية للاستفهام بطبيعة الحال .

عرضنا فيما مضي حيوية الاستفهام المتبدية في رحاب جماليات التلقي والحق ان ثمة قدرا من الحيوة الدلالية الموازية للاستفهام تتبدي داخل النص ، ولعل هذه الحيوية بحاجة الي ان نلقي عليها الضوء ، وقد استوفقنا الحاح  القدماء علي تأكيد صدارة أداة الاستفهام وإلحاحا مطردا ، وذلك  في معرض حديثهم عن تقدير العامل في هذه ا لاداءة ، اذا اكدوا جميعا ان الاستفهام يعمل فيه ما بعده لا ما قبله ، وربما اعتبر البعض من المغرمين بالإزراء بالجهد القديم ان مثل هذا التوجه في تحليل الأسلوب في مجموعه ، غير ذي اثر في فهم النص ،الا ان هذا الاجماع المنعقد لا بد ان يثير التساؤل عن علته ، ولا سيما انه قد توثر في بيئة الاهتمام بأسلوب الاستفهام علي تباينها .

ان تقدير العامل هنا ليس قاعدة شكلية نظرية، انه الحاحا علي ان ثمة بدءا ملازما للاستفهام علي الدوام، نحن نعد هذا الراي تعبيرا عن تمثل اللغة لفلسفة الاستفهام ، وبعبارة اخري ، قاعدة العامل إشارة الي تميز الاستفهام ومكانته في النص بغض النظر عن سوية الصنعة النحوية .

ولعنا لا نبالغ ان ذهبنا الي ان تحديد العامل في الاستفهام قد يشي بطبيعة فقه الدور الدلالي الذي ينهض به الاستفهام في السياق الجزئي الموارد فيه ، فعلي سبيل المثال نجد ان ابن الانباري : وهو احد علما السلف الذين اهمتهم دلالة التراكيب في القران الكريم : قد الح علي  صدارة لأداة ، يقول في تعليقه  علي قول الله سبحانه (انظر كيف فضلنا بعضهم علي بعض ) وكيف في موضع نصب يفضنا ، ولا يعمل فيه انظر : لان كيف معناها الاستفهام والاستفهام له صدارة الكلام ولا يعمل فيه ما قبله . الفلا يدل ذلك علي ان ادراك دلالة الاستفهام وانما يتأتى، من بعض الوجوه من خلال تحقيق قدر من الاستقلال في النشاط الدلالي . وان هذا النشاط مبعثه التفاعل الخصيب بين مكونات جملة الاستفهام؟ ففي الآية السابقة لو عمقنا كلام ابن الانباري لوجدنا ان فعل الامر: انظر يلفت الذهن الي التأمل ثم يتوقف دوره عند ذلك ،اما طبيعة هذا التأمل وكنهه فهي افاق الدلالة التي يجلبها الاستفهام بمكوناته وحدة هيمنة عناصر مغايرة .

والحديث عن دلالة الاستفهام وجمالية تلقيه ، ومنزلته في النص أمور لا ينبغي ان تصرفنا عن فنية الأسلوب  التي يرصدها المتلقي .فيجدها متخذة مظاهر عدة تدفع المحلل الاسلوبي الي متابعة المكونات الصوتية والصرفية  والقوالب التركيبية لأسلوب الاستفهام الذي يصبح بفضل هذا النهج من التفكير كيانا لغويا ضخما ذا ابعاد كثيرة ومتشابكة وهو ما يمكنه من اقامة علاقات من التداخل والتفاعل مع سائر وحدات النص الأخرى بما ينجم عنه في النهاية الدلالة الكلية الكبرى التي يحققها النص ولا يخفي ان ساحة هذا التفاعل  وان وقعت داخل النص ، الا انها لا تتبلور الا في وعي مرهف لمتلق ذي إحساس لغوي راصد .

وفي النهاية نرجو ان نكون قد وفقنا في عرض طبيعة أسلوب الاستفهام داخل النص  بما يجعلنا نتحرر من وطأة فكرة الغرض التي هيمنت علي تفكيرنا في أسلوب الاستفهام وغيره مما يعرف بالأساليب الانشائية. فقد اعتدنا متقفين ونقادا ان ننتظر دلالة هزيلة اسمها الغرض تتضمر فيه هذه الأساليب التي هي كيانات لغوية ضخمة.

كما نرجو ان تكون هذه السطور تعبيرا عن اعتقاد قار في النفس بان في تراثنا اللغوي والبلاغي عنصر تصلح ان تعمق نظرتنا الي اللغة وان تدنينا من قدرتها الساحرة اسرة على أداء الدلالة.

يتبيّن من خلال هذا العرض أن الاستفهام في النص الأدبي ليس مجرد أداة إنشائية تُقاس بوظيفتها النحوية أو تُحصر في حدود ما يُسمّى بالأغراض البلاغية التقليدية، بل هو بنية دلالية متحركة، تنبض بالحيوية داخل السياق، وتستمد فاعليتها من قدرتها على استثارة وعي المتلقي وإشراكه في إنتاج المعنى. فالسؤال، في جوهره، لا يطلب جوابًا بقدر ما يوقظ أفقًا من التأمل، ويخلق مساحة من التوتر المعرفي الذي يُعيد تشكيل العلاقة بين القارئ والنص.

وإذا كان التراث البلاغي العربي قد أدرك، في وعي مبكر، مركزية الاستفهام وصدارة أداته، فإن ذلك لم يكن أمرًا شكليًا أو صناعيًا، بل تعبيرًا عن فهم عميق لطبيعته المتقدمة في البناء الدلالي. ومن هنا فإن إعادة قراءة هذا التراث في ضوء جماليات التلقي لا تعني استعادته ترديدًا لمقولاته، وإنما استثماره بوصفه أفقًا مفتوحًا لفهم الطاقة الكامنة في اللغة، وقدرتها على تجاوز المباشر والمألوف.

وعليه، فإن تحرير الاستفهام من أسر “الغرض البلاغي” الضيق، والنظر إليه بوصفه كيانًا لغويًا متكاملاً، يتيح لنا الاقتراب أكثر من سرّ الفاعلية الجمالية في النص الأدبي، ويؤكد أن اللغة — في أرقى تجلياتها — ليست وعاءً للمعنى فحسب، بل هي فعلُ خلقٍ دائم، يتجدد كلما تجددت القراءة، وكلما انفتح الوعي على أسئلة جديدة.