
فرج كُندي
تُعدّ مسألة التوازن بين الثبات والتغيّر من أهم الإشكالات الفكرية التي واجهت المجتمعات عبر التاريخ، إذ كثيرًا ما اختلط على الناس التفريق بين ما ينبغي أن يبقى ثابتًا لا يتغير، وبين ما يجب أن يخضع للتطوير والتبديل وفق مقتضيات الزمان والمكان. ومن هنا برزت القاعدة الحضارية الكبرى التي مفادها أن القيم والأهداف ثابتة، بينما الوسائل والأساليب متغيرة، وهي قاعدة تمثل جوهر الفكر الإصلاحي في مختلف الحضارات، وفي مقدمتها الفكر الإسلامي.
إن القيم تمثل الأساس الذي يقوم عليه البناء الحضاري لأي أمة، فهي التي تحدد هويتها، وتوجه سلوكها، وتضبط مسارها العام. وهذه القيم ليست نتاج لحظة تاريخية عابرة، بل هي تعبير عن مبادئ عليا مستقرة، مثل العدل، والحرية، والكرامة، والتكافل، والصدق، وهي قيم لا يمكن أن تخضع للمساومة أو التبديل، لأنها تمثل معيار الصواب والخطأ، ومقياس صلاح الأفراد والمجتمعات. أما الأهداف الكبرى التي تسعى إليها الأمة، فهي أيضًا ثابتة في جوهرها، مثل تحقيق الاستخلاف في الأرض، وبناء مجتمع عادل، وصيانة كرامة الإنسان، وإقامة نظام متوازن يحقق الخير العام { إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) النحل ٩٠ { ولقد كرمنا بني آدم ) الاسراء ٧٠
غير أن الإشكال لا يكمن في القيم أو الأهداف، بل في الوسائل التي تُستخدم لتحقيقها، إذ إن هذه الوسائل بطبيعتها مرتبطة بالواقع المتغير، وتتأثر بالظروف السياسية والاقتصادية والتقنية، ولذلك فهي تحتاج إلى مواكبة تجديد مستمر، حتى تظل قادرة على تحقيق الغايات الكبرى. فالوسيلة التي كانت ناجحة في زمن معين قد تصبح غير فعالة في زمن آخر، بل قد تتحول إلى عائق إذا أُصرّ على استخدامها رغم تغير السياق
ومن هنا تظهر أهمية الوعي بسنن التغيير، وهو ما أشار إليه علماء الاجتماع، وعلى رأسهم ابن خلدون رحمه الله، حين بيّن أن المجتمعات تتطور، وأن أدوات القوة والتأثير تتبدل، وأن الجمود على الوسائل القديمة يؤدي إلى الضعف والانهيار، حتى وإن كانت الأهداف صحيحة. فالدولة التي لا تُجدد أدواتها تفقد قدرتها على الاستمرار، والحركة الإصلاحية التي لا تطور أساليبها تنعزل عن واقعها، مهما كانت مبادئها سامية {هو انشآكم من الأرض واستعمركم فيها} هود ٦١. أي طلب منك م عمارتها وفق منهج قيمي متوازن.
إن التمييز بين الثابت والمتغير يفتح الباب أمام تجديد حقيقي، يقوم على الحفاظ على الجوهر مع تطوير الشكل؛ فالثبات هنا لا يعني الجمود؛ كما أن التغير لا يعني التفريط؛ بل هو عملية توازن دقيقة بين الحفاظ على الهوية والانفتاح على الواقع، وهذا ما يجعل الفكر الإصلاحي فكرًا حيًا قادرًا على الاستجابة للتحديات دون أن يفقد أصالته، ويتجلى في قول النبي ﷺ { أنتم أعلم بأمور دنياكم } وهو توجيه صريح إلى أن الوسائل والتقنيات تخضع لاعتبارات الواقع والخبرة، وليست جزءًا من الثوابت التعبدية المحضة.
وفي المجال الدعوي، تتجلى هذه القاعدة بوضوح. حيث إن مضمون الدعوة ثابت في أصوله، لكنه يحتاج إلى وسائل متجددة تناسب طبيعة العصر؛ فالدعوة التي كانت تعتمد على الخطابة المباشرة يمكن أن تستفيد اليوم من وسائل الإعلام الحديثة، والتقنيات الرقمية، ومنصات التواصل، للوصول إلى جمهور أوسع وأكثر تنوعًا، وليس في ذلك أي تعارض مع الثوابت؛ بل هو تحقيق لها بأساليب أكثر فاعلية قال النبي ﷺ{ يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا} وهو توجيه إلى اختيار الوسيلة الأنجع في تحقيق القبول والتأثير.
كما أن العمل السياسي والاجتماعي يحتاج إلى نفس الوعي، إذ لا يمكن إدارة المجتمعات الحديثة بنفس الأدوات التقليدية، بل يتطلب الأمر تطوير مؤسسات الحكم، واعتماد أساليب حديثة في الإدارة، وتفعيل المشاركة المجتمعية مع الحفاظ على القيم الأساسية التي تضمن العدالة والاستقرار؛ فالتجديد في الوسائل هنا هو شرط من شروط البقاء، لا خيارًا ثانويًا
ومن الأخطاء الشائعة في هذا السياق، الخلط بين الوسيلة والغاية، حيث يتم تقديس الوسائل وكأنها جزء من الثوابت، فيُرفض تغييرها حتى لو أصبحت غير صالحة، مما يؤدي إلى تعطيل الأهداف نفسها. وفي المقابل هناك من يفرّط في القيم بحجة التكيف مع الواقع؛ فيفقد الاتجاه الصحيح، والنهج المتوازن هو الذي يفرق بين ما هو ثابت وما هو متغير، فيحافظ على الأول ويجدد الثاني.
إن قراءة سنن التاريخ تؤكد هذه الحقيقة، حيث إن الأمم التي استطاعت أن تحافظ على قيمها مع تطوير أدواتها هي التي نجحت في الاستمرار، بينما سقطت الأمم التي جمدت على وسائلها أو فقدت هويتها، وهذا ما يجعل هذه القاعدة ليست مجرد فكرة نظرية؛ بل قانونًا حضاريًا يحكم صعود الأمم وهبوطها.
وفي واقع الأمة المعاصر تزداد الحاجة إلى هذا الفهم، في ظل التحديات المتسارعة والتغيرات العميقة التي يشهدها العالم؛ فالتقدم التكنولوجي والتحولات السياسية والتداخل الثقافي كلها عوامل تفرض ضرورة مراجعة الوسائل وتطويرها، دون المساس بالقيم التي تمثل جوهر الهوية، وهذا يتطلب عقلًا واعيًا قادرًا على الاجتهاد، ومؤسسات مرنة تستجيب للتغير، وقيادات تدرك أن الثبات الحقيقي هو في الأهداف لا في الوسائل.
وفي الختام، يمكن القول إن قاعدة ثبات القيم والأهداف وتغير الوسائل تمثل مفتاحًا لفهم حركة التاريخ، وأساسًا لأي مشروع نهضوي ناجح، إذ تضمن للأمة أن تظل وفية لهويتها، وفي الوقت نفسه قادرة على التفاعل مع واقعها؛ فهي تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتحقق التوازن بين الاستمرار والتجديد، وبذلك تشكل الإطار الذي يمكن من خلاله بناء مستقبل أكثر استقرارًا وفاعلية.
كاتب ليبي