عدنان نصّار
في الحروب، لا تُقاس اللحظات الأخطر بعدد الصواريخ التي تُطلق، ولا بحجم الدمار الذي تُخلّفه، بل بتلك القرارات الصامتة التي تُتخذ في الغرف المغلقة… حين يصبح التردد جريمة، والتغيير مقامرة، والاستمرار مخاطرة لا تقلّ فداحة.
هناك، في قلب النهر، حيث لا ضفة قريبة ولا قاع ظاهر، تتعرّى الاستراتيجيات من شعاراتها، وتنكشف العواصم على حقيقتها: خائفة، حذرة، ومقيّدة بخيارات صنعتها بنفسها. في تلك اللحظة تحديدًا، تصبح المقولة القديمة أكثر من حكمة… تتحول إلى قانون بقاء:
“لا تغيّر جيادك وسط النهر.”
لكن ماذا لو كانت الجياد نفسها سببًا في الغرق؟
الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تعد مجرد اشتباك نفوذ أو استعراض قوة. إنها لحظة اختبار وجودي لعقيدة القرار السياسي والعسكري في آنٍ واحد. فالعواصم الكبرى لا تقاتل فقط على الجبهات، بل تقاتل داخلها… بين ما تعرف أنه صواب، وما تخشى أن تعترف بأنه خطأ.
في واشنطن، تتكثف المعضلة بشكل غير مسبوق. فإدارة الحرب لم تعد شأنًا عسكريًا بحتًا، بل تحوّلت إلى اختبار سياسي داخلي وخارجي. وبينما تتصاعد النيران في الميدان، تهتز الثقة في غرف القرار.
الإشارة الأخطر لم تكن في تصعيد عسكري أو تراجع تكتيكي… بل في إقالة رئيس أركان الجيش الأمريكي في منتصف المعركة—خطوة نادرة في توقيتها، ثقيلة في دلالاتها، وتكاد تكون اعترافًا غير مباشر بأن شيئًا ما في إدارة المعركة لم يعد يسير كما خُطط له.
وحين تُقال القيادة العسكرية العليا في ذروة الاشتباك، لا يكون ذلك مجرد تغيير إداري… بل زلزال في عمق المؤسسة. إنه إعلان صامت بأن “الجياد” التي كانت تقود المعركة لم تعد قادرة على الاستمرار، لسبب ظاهره التبديل وباطنه الخلاف ، أو أن من يقودها لم يعد موضع ثقة عسكرية لترجمة أفكار سياسية يراها رئيس الأركان متهورة.
وربما، في قراءةٍ أكثر جرأة، لا يمكن فصل هذه الخطوة عن فجوةٍ آخذة في الاتساع بين الخبرة العسكرية الصرفة، ومنطق القرار السياسي. فالقائد العسكري الذي راكم سنوات من الفهم الميداني وتعقيدات الحروب، قد لا يجد نفسه منسجمًا مع مقاربات تُدار بعقلية الرهان السريع، أو تُبنى على إحاطات غير مكتملة النضج الاستراتيجي.
في مثل هذه الحالات، لا تكون الإقالة مجرد إجراء إداري، بل انعكاس لصراع خفي بين من يرى الحرب معادلة دقيقة تُحسب فيها الخطوات، ومن يتعامل معها كمساحة اختبار مفتوحة، قد لا تحتمل أخطاء التقدير في لحظة مشتعلة.
لكن المفارقة القاسية… أن التغيير جاء في اللحظة الأكثر خطورة:
في منتصف النهر.
في تل أبيب، الصورة لا تقل توترًا. إسرائيل التي لطالما تباهت بقدرتها على الحسم السريع، تجد نفسها اليوم في مواجهة حرب متعددة المستويات، لا تُدار بالضربات الخاطفة بل بصبر الأعصاب. ومع كل يوم يمر، يتآكل اليقين القديم، ويحلّ مكانه سؤال أكثر قسوة:
هل ما زالت الجياد قادرة على الركض… أم أننا نُطيل أمد السقوط؟
أما في طهران، فالمشهد يُدار بمنطق مختلف، لكنه لا يخلو من القلق. إيران تُتقن لعبة النفس الطويل، وتُراكم أوراقها بهدوء، لكنها تدرك أن أي خطأ في التقدير قد يحوّل مكاسب السنوات إلى خسارة مفاجئة. لذلك، تتمسك بخياراتها، لا لأنها مثالية، بل لأن التراجع عنها في هذه اللحظة قد يكون أكثر كلفة من الاستمرار فيها.
الجميع عالق…
الجميع يعرف أن النهر يزداد هيجانًا…
والجميع، رغم ذلك، يرفض القفز أو التبديل.
لكن، مرة أخرى… ماذا عن العرب؟
هنا، لا نتحدث عن عواصم تُمسك بجيادها… بل عن جغرافيا تُستخدم كمعبر.
المنطقة العربية اليوم ليست في قلب القرار، بل في قلب النتيجة.
ليست طرفًا في صناعة المعادلة، بل مساحة تُختبر عليها هذه المعادلات.
من العراق إلى سوريا، ومن لبنان إلى الخليج، تتشكل خرائط النفوذ على حساب الاستقرار. الاقتصادات تنزف بصمت، والمجتمعات تُستنزف نفسيًا وسياسيًا، بينما تقف بعض العواصم العربية في موقع المتفرج القلق… أو الشريك الصامت.
الأخطر أن المنطقة لا تعاني فقط من غياب القرار، بل من غياب الرؤية. فبين من يراهن على الحماية، ومن يراهن على التوازن، ومن يراهن على الوقت… يضيع الرهان الأكبر:
امتلاك الإرادة.
في مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال:
من الأقوى؟
بل: من الأقدر على تحمّل الفوضى؟
فالحروب الحديثة لا تُحسم بالنصر، بل بإدارة الخسارة. ومن يُحسن إدارة خسارته… قد يخرج حيًا، لا منتصرًا.
أما من يخطئ التقدير في منتصف النهر، فيغيّر جياده دون أن يضمن ضفة الوصول… فقد لا يُكتب له أن يروي قصته.
إقالة قائد عسكري هنا، أو تبديل تكتيك هناك، قد تبدو تفاصيل عابرة في مشهد واسع… لكنها في الحقيقة إشارات إلى عمق الارتباك. فحين تهتز الثقة في القيادة، يصبح كل قرار لاحق محاطًا بالشك، وكل خطوة أقرب إلى المقامرة.
وفي عالمٍ لم يعد يعترف إلا بالقوة، ولا يحترم إلا الثبات، تصبح المعضلة أكثر تعقيدًا:
هل التمسك بالخطأ أقل خطرًا من الاعتراف به؟
وهل الاستمرار في طريق مأزوم… أفضل من تغيير قد يقود إلى المجهول؟
في النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو:
لماذا لا تغيّر العواصم جيادها وسط النهر؟
بل:
هل وصلت هذه العواصم إلى مرحلة لم تعد تملك فيها ترف الاختيار أصلًا؟
وهل نحن أمام قادة يقودون المعركة…
أم أمام معارك تقود القادة؟
كاتب وصحفي أردني


حقا وفعلا… الجميع عالق
أخي العزيز
اسعد الله صباحك بكل الخير
على حافة النهر وحيث تقف الجياد ، إنها لتستحضر ذات المشهد الذي قالت فيه بني اسرائيل لموسى عليه السلام إنا لمدركون قال كلا أن معي ربي سيهدين ، الحر الأسود ب الدائرة ربما في ظهرها الخوف والهلع ولكن في باطنها الطمأنينة والسكينة والأمان ، العرب التي تقف في وسط الخطر كالفرسة التي تخشى الأسود براً و التماسيح في وسط النهر ويشاء ربك أن يغامر أحد الأسود لينقض على الفريسة فتنجو ويكن هو الفريسة.
ترامب طبق المثل القائل:
رفق البوم بددلك عالخراب
رافق النتن ياهو فأغرقه معه في معمعة الصراع ، فأصبح ترامب متورطا بحرب هي أشبه بالمقامرة على حلبة مصارعة ، إن بنك الأهداف ينفد ولم يتحق شيء بعد ، وتعلن نتائج الحرب و زعم الانتصار ولكن ما زال بعيد المنال ، و كيف أن ترامب خدع حلفائه العرب و تبين أنه لا يستطيع حماية نفسه وأن المليارات التي جباها في الأمس القريب لم تعد تجدي نفعا أمام الخطر الإيراني الذي لا يغفر ولا يرحم وأن شروط ترامب الحمقاء بعيد المنال عن ذقنه.
هذه الحرب قد تحتاجها الفريسة كفرصة أخيرة للنجاة
المقال فيه كلام موزون وعميق، وفكرة “لا تغيّر جيادك وسط النهر” وصلت بقوّة. فعلاً التغيير في نص الطريق ممكن يربك المشهد ويضيّع الجهد كله. طرحك واضح ولامس الواقع بشكل كبير ..شكرا على هذا الوعي العميق للصحفي المحترم
المقال هذا فيه برشا عمق يا عدنان، والفكرة متاع “ما تبدّلش الجياد وسط النهر” جات في وقتها. التبديل في اللحظات الحسّاسة ينجم يضيّع كل شي، خاصة كي تكون الرؤية مازالت ما كملتش. كلامك واضح ويوصل، ويحط الإصبع على الجرح ?
مقال جد مربك بجماله وجرأته
أحسنت القول..كلام بليغ.بس لانعرف إلى أين رح يوصلونا بقرارات غبية متفاوتة تدل على غباء جميع الأطراف تحياتي لك استاذنا العظيم عدنان بيك
مقال واقعي وراقي وجريء
كلام في الصميم
ابدعت وابدعت وابدعت كلمات لامست الواقع والحقيقه
في حفظ الله ورعايته يارب العالمين
مبدع متألق
مسا الورد والياسمين
قرارات متهوررررة
في حفظ الله ورعايته يارب العالمين
مبدع متألق
مسا الورد والياسمين
لا تغير جيادك وسط النهر ، جماليات البناء في الكتابة الصحفية
إحترامي لك صديقي العزيز