- رأي اليوم - https://raialyoum.indexforce.com -

محمد أحمد سهيل المعشني: الرهان فوق تضاريس الوهم: لماذا يخطئ الخصوم في قراءة إيران؟

محمد أحمد سهيل المعشني

في صراعات الشرق الأوسط، لا تكمن الأخطاء الكبرى في نقص المعلومات، بل في سوء قراءتها. واحدة من أبرز هذه الأخطاء هي الخلط بين ما يظهر من القوة وما يشكل جوهرها. فحين يتحدث دونالد ترامب عن القدرة على الحسم العسكري، أو يلوّح بنيامين نتنياهو بالتفوق الجوي، فإن الخطاب لا يعكس بالضرورة فهماً دقيقاً لطبيعة الخصم، بل يعكس تصوراً تقليدياً للقوة لم يعد صالحاً في بيئة مثل إيران.

المشكلة ليست في تقدير حجم القوة الإيرانية، بل في طبيعتها. فإيران، منذ الحرب العراقية الإيرانية وما تلاها من “حرب الناقلات”، لم تبنِ عقيدتها العسكرية على مضاهاة خصومها في التفوق الجوي أو البحري، بل على تحييد هذا التفوق وتقليل أثره. ومن هنا نشأت فلسفة “البقاء تحت الضرب”، لا “تفادي الضرب”.

لقد استثمرت طهران في ما يمكن وصفه بـ”العمق المحصّن”: بنية عسكرية موزعة، متعددة الطبقات، ومحصّنة جغرافياً. ما يُعرف إعلامياً بـ”مدن الصواريخ” ليس مجرد استعراض دعائي، بل تعبير عن عقيدة تهدف إلى ضمان استمرارية القدرة القتالية حتى في حال تعرضت لضربات مكثفة. هذه المقاربة تجعل فكرة “الضربة القاضية” أقرب إلى الافتراض النظري منها إلى الخيار العملي.

في المقابل، تطورت أدوات إيران الهجومية بشكل غير تقليدي. فبدلاً من الاعتماد على منصات مكشوفة يسهل استهدافها، انتقلت إلى نماذج تشغيل مرنة: صواريخ جوالة، مسيّرات منخفضة التكلفة، ومنصات إطلاق متنقلة. هذه الأدوات لا تسعى إلى تحقيق تفوق تقني مباشر، بل إلى استنزاف الخصم، وتعقيد حساباته، ورفع كلفة أي مواجهة إلى مستويات يصعب التحكم بها.

هذا التحول يفسر مفارقة لافتة: التفوق الجوي، رغم أهميته، لا يضمن الحسم. فالسيطرة على السماء لا تعني السيطرة على الأرض، خصوصاً حين تكون البنية العسكرية للخصم مصممة لتعمل في ظروف فقدان المجال الجوي. وهنا تحديداً يظهر الخلل في الرهان على نماذج الحرب التقليدية في مواجهة نموذج صُمم أصلاً لتفاديها.

لكن الفجوة ليست عسكرية فقط، بل إدراكية أيضاً. فبينما يُدار التفكير السياسي في واشنطن ضمن أطر زمنية قصيرة مرتبطة بالنتائج السريعة والضغوط الداخلية، تعمل طهران ضمن منطق تراكمي طويل الأمد، يقوم على امتصاص الصدمات وإعادة التكيّف. العقوبات، في هذا السياق، لم تُقرأ كعامل انهيار، بل كعامل إعادة تشكيل للاقتصاد والسياسات.

هذه الفجوة في إدراك الزمن والصراع تفسر كثيراً من سوء التقدير. إذ يُنظر إلى الضغوط الاقتصادية والعسكرية باعتبارها أدوات حسم، بينما تتعامل معها إيران كجزء من بيئة الصراع لا نهايته.

في المحصلة، لا تكمن مشكلة الخصوم في ضعف الأدوات، بل في خطأ الافتراضات. فإيران لا تُواجه كنموذج دولة تقليدية يمكن إخضاعها بضربة مركزة أو ضغط متصاعد، بل كمنظومة صُممت لتعمل تحت الضغط وتستمر رغم الاستهداف.

ولهذا، فإن أي رهان على حسم سريع، أو على انهيار داخلي نتيجة التصعيد، يبقى رهانا فوق “تضاريس وهمية”. فالمشكلة ليست في قوة الضربة، بل في طبيعة الهدف الذي لا يستجيب للمنطق الذي صُممت عليه تلك الضربة.

ظفار -سلطنة عمان

للمتابعة والاطلاع على أرشيف الكاتب:

https://muckrack.com/mohammed-almaashani