
محمد علي القاسمي الحسني
تعتبر المناهج التعليمية في المدارس أحد أسس تكوين العقل الجمعي للمجتمعات في نطاق الحدود الإقليمية للدولة ، و لهذا فان هناك حالة تحديث دائمة من قبل وزارات التعليم للمناهج التعليمية لتجعلها متوافقة مع قيم العصر و متطلباته ليصبح المتعلم قادرا على تحصيل علمي و فكري جيدين حين ولوج الجامعة ، و لأن المناهج الجزائرية مرت عليها سنوات من عدم التحديث فقد قامت الوزيرة الحالية نورية بن غبريط رفقة طاقمها المساعد بهذه العملية بداية الموسم الدراسي الحالي بتجديد شبه كلي لمعظم الكتب المدرسية عسى أن تنهض بالمتمدرسين من الجمود العقلي و الوهم التاريخي اللذان عانى منهما الدارسون بالمناهج القديمة ، لتواجه بحملة شرسة من قبل الكثيرين تجلت في نقد و شتم دائمين في منصات التواصل الاجتماعي و القنوات الخاصة التي فتحت أبوابها لكل من هب و دب ليناقش مسألة الإصلاح التربوي ، لتصبح مسألة دسمة يتحدث فيها الجميع بلا فهم لأبجديات التربية و التعليم بل و حتى نزل مستوى البعض للشتم دون التحلي بأدنى البديهيات العلمية و الأخلاقية .
في الدول الغربية مثلا تمت عديد الإصلاحات التربوية للمناهج التي أصبحت لا تلاءم الواقع المعاش ، و أبرز هذه العمليات قام بها الرئيس الأمريكي جورج بوش سنة 1991 لوضع إستراتيجية مستقبلية لسنة 2000 و قبلها كانت دول السوق الأوروبية المشتركة سنة 1986 قد عدلت مناهجها للخروج من العباءة الأمريكية علميا و إيديولوجيا في سبيل منافسة الحضارة الهندوسية و اليابانية و الليبرالية الأمريكية و الأرثوذكسية ، و في كلتا الحالتين كانت المبادرة تأتي من رأس النظام و تتقبلها الشعوب و لم يحدث يوما أن ثارت أفواهها بعد تعديل المناهج التربوية كما هو واقع الآن في الجزائر ، فقضية المناهج تترك للمسئولين بالحكومة و الأكاديميين ثم يتم النظر فيها بعد ظهور النتائج في مدى زمني معين ، أما في الجزائر فان الصحفي المطرود من الثانوية و الجزار في قلب الجنوب و المتهم بقبض الرشوة حين كان يتولى منصبا حكوميا ، جميعهم أصبح عالما بالمسائل البيداغوجية و التربوية و الفكرية التي يقدمون فيها سهام النقد اللاذع لشخص وزيرة التربية ، رغم أن المسألة برمتها لا يجب أن يتكلم فيها سوى أهل الاختصاص فقط و محاسبة الوزيرة على إصلاحاتها لا تكون إلا من قبل البرلمان و الحكومة .
إن انعدام الثقافة السياسية لدى عامة المجتمع بل و حتى لدى نسبة كبيرة من المثقفين هي التي حولتهم لا إراديا إلى مجموعات تسيرها الرياح الإعلامية من كل جهة ، و إلا فكيف يفسر امتلاء صفحات هؤلاء بوسائل التواصل الاجتماعي بعشرات المناشير المليئة باللغو و التفسيرات اللاعلمية غالبا الموجهة ضد وزيرة التربية تارة و ضد المنهج التربوي تارة أخرى ، و بالتالي أصبح الجميع يدور في حلقة دائرية فارغة الأهداف و الأسس الفكرية و العلمية و لم يعد المرء يميز بين الناقد البناء ، الشاتم و الطامع في المنصب ، و تحول المجتمع الجزائري إلى مستهلك للخطابات الإعلامية و السياسية المفرغة من أي فكرة علمية بدلا من اطلاعه على المنتوج العلمي العربي أو الغربي في الإصلاح التربوي ثم مناقشته و المطالبة بتطبيقه ، و في التجربتين التونسية و القطرية للاصلاح خير مثال للتجارب المطبقة عربيا النابعة من قلب المجتمع في قالب تصيغه نخبة أكاديمية .
و بالتالي فان التقدم الفكري و التطور العلمي اللذان تعرفهما البشرية ، يوجب أن تقوم وزارتا التربية و التعليم العالي بتحديث دائم للمناهج التعليمية لجعلها قادرة على منافسة بقية الدول المتقدمة و الخروج من قمقم التخلف و الرجعية الذي لازال يعيشه المجتمع الجزائري بعد عقود من الاستقلال ، فإذا كانت أنظمة الدول المتقدمة و الناشئة تعمل بجهد لاستمرارية تطورها و يقابلها قبول مجتمعي بتلك الإصلاحات من منطلق إدراكه بأهميتها ، فانه و في الحالة الجزائرية إذا ما أجريت دراسة إحصائية فستكشف عن واقع مرير للجزائر يبتدئ بالنفاق الديني وصولا إلى الضعف العلمي إذا ما قورنت بدول عربية أخرى مرورا بالتقاليد الأسطورية المتعامل بها في القرن الحادي و العشرين ، و منه فان محاربة التطرف الديني الذي عاد في الآونة الأخيرة بكثرة بعد انتشار الفكر الوهابي على منابر المساجد بالمدن الكبرى و حل أزمة الهوية التي لازالت مسألة واسعة النقاش لدى النخبة و العوام ، إضافة إلى فتح المجال للإبداع الفكري و التحصيل العلمي الجيد لا يمكن أن يكون إلا بانتظار فترة عشرة سنوات ينشأ فيها جيل جديد يسير بعقل جمعي حداثي حديث يواكب متطلبات عصره عسى أن يسير بالبلد لما فيه خير .
و ختاما فان خير توصيف لحالة الرفض المجتمعية للاصلاح التربوي هي مقولة الدكتور وليد عبد الحي ( نحن ذاهبون إلى الكارثة ولن ينجو منها إلا من يتمكن من تطوير آليات تكيفه بقدر يتسق مع إيقاع التغير المتسارع أما المعوقون فكريا فهم في طريقهم لقبور الديناصورات ) .
( الطالب الجزائري ) .