مـصطـفـى بن خالد: الحدث في ميزان الاستراتيجة.. خطاب ترامب عن إيران بين رواية الحسم ومنطق التصعيد وكلام التهريج

مـصطـفـى بن خالد

المقدمة :

من المؤكد من المعطيات المعتبرة هو أن ترامب صعّد تهديداته علناً، وتحدث عن إمكان استهداف الجسور ومحطات الكهرباء، وقال إن الولايات المتحدة قد تنهي الحرب خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، كما استخدم تعبيرات شديدة القسوة منها التهديد بإرجاع إيران إلى “العصر الحجري”.  

1- الحقيقة

يقع الخطاب الأميركي الحالي في نقطة فاصلة:

واشنطن تريد تثبيت رواية “النجاح العسكري” بالتوازي مع إبقاء باب التصعيد مفتوحاً.

هذا يعني أن الخطاب ليس إعلان نهاية حرب، بل أداة ضغط لفرض معادلة سياسية جديدة على طهران: القبول بشروط أميركية، أو مواجهة انتقال الاستهداف من المجال العسكري-النووي إلى البنية التحتية السيادية.  

والمؤشرات المتاحة لا تدعم، حتى الآن، حكماً نهائاً بأن إيران “دُمّرت بالكامل” كما يرد في النص؛ بل على العكس، تقارير متقاطعة تشير إلى أن إيران ما زالت تحتفظ بجزء مهم من قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة، لا وقادة على المفاجأة، وأن تقييمات استخباراتية أميركية سابقة قدّرت أن ما دُمّر هو نحو ثلث هذا المخزون، لا كله.  

بالتالي، نحن أمام خطاب نصر سابق لأوانه، يوظَّف لثلاث غايات: ردع إيران، طمأنة الداخل الأميركي، وإجبار الحلفاء والخصوم على إعادة التموضع في بيئة إقليمية أكثر خشونة.  

2- الوضع الراهن

بحسب رويترز، صعّد ترامب في 3 أبريل/نيسان تهديداته ضد إيران، محذراً من إمكان ضرب الجسور ومحطات الكهرباء، وذلك بعد سلسلة تصريحات سابقة لوّح فيها بتوسيع بنك الأهداف ليشمل بنى تحتية حيوية، لا أهدافاً عسكرية فقط.  

وقبل ذلك بيوم، نُسب إلى الولايات المتحدة تدمير جسر كبير في إيران، مع إعلان ترامب أن “المزيد سيأتي” إذا لم تقبل طهران بالشروط الأميركية لإنهاء الحرب.

كما تحدثت تقارير عن تداول ترامب مقطع الضربة على منصاته، وتقديم العملية باعتبارها رسالة ضغط مباشرة.  

في الوقت نفسه، ما زالت المعركة بعيدة عن الحسم الكامل.

وكالة أسوشيتد برس أفادت اليوم بإسقاط مقاتلتين أميركية فوق إيران، وآخرى فوق مضيق هرمز في أول حادثتين مؤكدتين من هذا النوع خلال هذه الحرب، وهو تطور ينسف أي انطباع بأن ميزان العمليات صار أحادي الاتجاه أو بلا كلفة على واشنطن.  

3 – الخلفية الاستراتيجية

بدأت الحرب الحالية، وفق التغطيات الحديثة، في 28 فبراير/شباط 2026 بضربات أميركية-إسرائيلية على إيران، ثم توسعت تدريجياً لتشمل الرد الإيراني على إسرائيل وقواعد ومصالح أميركية وخليجية، مع انعكاسات مباشرة على أمن الملاحة والطاقة في الخليج ومضيق هرمز.  

هذا السياق يفسر التحول في اللغة الأميركية.

ففي المراحل الأولى كان التركيز المعلن على تحييد البرنامج النووي وتقليص القدرات الصاروخية، أما الآن فهناك انزياح واضح نحو خطاب “شلّ الدولة” عبر استهداف البنية التحتية من كهرباء وجسور وربما منشآت نفطية ومائية، وهو تصعيد يتجاوز الردع العسكري التقليدي إلى إكراه استراتيجي شامل.  

4- ماذا يريد ترامب فعلياً؟

أ) الهدف العسكري

إضعاف قدرة إيران على مواصلة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، ومنعها من إعادة بناء القدرات النووية أو العسكرية خلال فترة قصيرة.

رويترز نقلت عن ترامب قوله إن الولايات المتحدة تستطيع إنهاء الحرب خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع إذا تم بلوغ هذا الهدف.  

ب) الهدف السياسي

فرض صفقة استسلام تفاوضي من دون الاضطرار إلى احتلال أو تغيير نظام معلن رسمياً.

 الخطاب الحالي يوحي بأن واشنطن تريد نتيجة سياسية قصوى بتكلفة عسكرية محدودة نسبياً.

لكن هذا الطموح يصطدم بواقع أن الأنظمة تحت النار قد تتصلب بدل أن تنهار.  

ج) الهدف الاقتصادي-الطاقوي

ترامب ربط التصعيد بالطاقة والملاحة، ولوّح بأن أمن الإمدادات ليس عبئاً أميركياً حصرياً، في حين تُظهر الوقائع أن الحرب دفعت الأسعار إلى الارتفاع وزادت هشاشة البنية النفطية والبحرية في الخليج.  

د) الهدف الداخلي

الخطاب موجه أيضاً إلى الداخل الأميركي: تأكيد السيطرة، تسويق الحرب كعملية سريعة، وإظهار الرئيس بمظهر القائد الذي “يحسم” ولا “يغرق”.

هذا واضح في حديثه عن قصر مدة العمليات مقارنة بحروب استنزفت الولايات المتحدة سابقاً، وفي محاولته تصوير إيران على أنها فاقدة للأوراق.  

5) هل إيران “دُمّرت بالكامل”؟

المعطيات المتاحة لا تسمح بهذا الاستنتاج.

هناك تدمير واسع النطاق وخسائر حقيقية، لكن تقارير استخباراتية نقلتها رويترز تشير إلى أن الولايات المتحدة لم تدمر سوى نحو ثلث مخزون إيران من الصواريخ والطائرات المسيّرة حتى أواخر مارس/آذار، وأن جزءاً معتبراً من القدرات الإيرانية ما زال مخفياً أو موزعاً في أنفاق وبنية تحت الأرض.  

هذا مهم للغاية، لأنه يعني أن رواية “الحسم الكامل” قد تكون جزءاً من التهريج والحرب النفسية والمعلوماتية أكثر من كونها توصيفاً نهائياً للواقع الميداني.

كما أن إسقاط مقاتلتين أميركية اليوم يشير إلى أن البيئة العملياتية الإيرانية لم تُسحق تماماً.  

6- التحول الأخطر: من استهداف القدرات إلى استهداف الدولة

أخطر ما في الخطاب ليس فقط مستوى التهديد، بل نوع الأهداف المطروحة.

استهداف الجسور، الكهرباء، والتحلية أو الطاقة يعني الانتقال من منطق تدمير أدوات الحرب إلى منطق تعطيل الحياة الوطنية.

أسوشيتد برس حذرت من أن ضرب منشآت التحلية والطاقة قد يفضي إلى آثار إنسانية كارثية، خصوصاً في منطقة ترتبط فيها المياه المحلاة مباشرة بأنظمة الكهرباء.  

كما نقلت رويترز أن خبراء قانون دولي أميركيين اعتبروا بعض هذه التهديدات أو الأنماط القتالية المحتملة قريبة من مستوى الانتهاكات الجسيمة لقوانين الحرب، خصوصاً إذا استهدفت أعياناً مدنية لا تقدم ميزة عسكرية مباشرة ومحددة.  

7- الرسائل المضمّنة في الخطاب

الخطاب يحمل أربع رسائل متزامنة:

الرسالة الأولى إلى إيران: ما لم توقّعي على شروطنا، فسيتوسع بنك الأهداف من العسكري إلى السيادي والخدمي.  

الرسالة الثانية إلى الحلفاء الخليجيين والآسيويين والأوروبيين: أمن الطاقة والممرات البحرية لم يعد خدمة أميركية مجانية، وعليهم أن يتحملوا جزءاً من العبء.

هذا المعنى يظهر في المعطيات الخاصة بمضيق هرمز وتفاقم المخاوف الإقليمية.  

الرسالة الثالثة إلى الداخل الأميركي: الحرب تحت السيطرة، والقيادة تمسك بزمام المبادرة، والاقتصاد الأميركي قادر على الامتصاص.

لكن ارتفاع النفط والاضطراب الإقليمي يشيران إلى أن هذه الرسالة ليست مضمونة النتائج.  

الرسالة الرابعة إلى الخصوم الدوليين: واشنطن مستعدة لرفع السقف إلى مستوى أقصى، حتى لو ترتبت على ذلك كلفة دبلوماسية وقانونية.  

8- تقدير النوايا الإيرانية المحتملة

إذا استمر التصعيد على هذا النحو، فالرد الإيراني المرجح لن يكون تقليدياً فقط.

المسارات الأكثر ترجيحاً تشمل:

استمرار الضربات الصاروخية والمسيّرة واستخدام مضادات الطيران كلما أمكن، لإثبات بقاء القدرة الردعية.

استمرار إيران في الضرب رغم القصف الكثيف هو بحد ذاته رسالة بقاء.  

توسيع الضغط على الملاحة والبنية التحتية الإقليمية، خصوصاً في محيط الخليج، لرفع كلفة الحرب على واشنطن وحلفائها.

وقد شهدت الأيام الأخيرة بالفعل توتراً كبيراً حول مضيق هرمز وهجمات على منشآت في دول خليجية.  

استخدام البعد السياسي-النفسي: نفي الهزيمة الكاملة، إظهار القدرة على الصمود، وتحويل أي استهداف للبنية المدنية إلى مادة تعبئة داخلية وإدانة خارجية.  

9- السيناريوهات المقبلة

السيناريو الأول: تسوية قسرية سريعة

تقبل طهران، أو تُدفع للقبول، بوقف نار أو تفاهم مرحلي يقيّد البرنامج النووي وبعض البنى العسكرية مقابل وقف التوسّع في الضربات.

هذا السيناريو ممكن لأن ترامب يتحدث عن إطار زمني قصير للحسم، لكنه ليس مرجحاً بالكامل لأن إيران ما زالت ترى نفسها قادرة على الاستنزاف.  

السيناريو الثاني: حرب استنزاف ممتدة

وهو الأكثر واقعية الآن.

تبقى واشنطن قادرة على التفوق الجوي والتدمير البعيد، لكن إيران تحتفظ بقدر كافٍ من القدرات لإدامة النزف ورفع الكلفة.

هذا السيناريو تدعمه الفجوة بين خطاب “الحسم” والتقديرات التي تقول إن جزءاً مهماً من القوة الإيرانية ما زال قائماً ولا زالت قادرة على إظهار مفاجآت.  

السيناريو الثالث: توسيع بنك الأهداف إلى بنى حيوية

إذا شعر ترامب أن الضغط الحالي لا ينتج استسلاماً تفاوضياً، فقد ينتقل إلى ضربات أوسع على الكهرباء والجسور وربما منشآت مرتبطة بالمياه أو النفط.

هذا هو السيناريو الأخطر إنسانياً وسياسياً، وهو مذكور صراحة في التهديدات الأخيرة.  

السيناريو الرابع: فوضى داخلية في إيران

هذا أقل قابلية للتأكيد حالياً.

صحيح أن الحرب تضغط على البنية القيادية والعسكرية، لكن لا توجد أدلة كافية على انهيار وشيك أو انتقال منظم للسلطة.

بل إن بعض التقديرات ترى أن الحرب قوّت الأجنحة الأكثر تشدداً داخل النظام بدل إسقاطها.  

10- مؤشرات يجب مراقبتها خلال الأيام المقبلة

أولاً، هل تتكرر الضربات على البنية المدنية/الخدمية بدل المواقع العسكرية الصرفة؟ هذا سيكون المؤشر الأوضح على الانتقال إلى استراتيجية “ شلّ الدولة ”.  

ثانياً، هل تتزايد الهجمات على منشآت الطاقة أو المياه أو الموانئ في الخليج؟ أي توسع هنا يعني أن الحرب خرجت من ثنائية واشنطن-طهران إلى نزاع إقليمي متعدد المسارح.  

ثالثاً، هل تواصل إيران إطلاق الصواريخ والمسيّرات بوتيرة معتبرة؟ إذا نعم، فهذا دليل عملي على أن القدرة الردعية لم تُكسر بعد.  

رابعاً، هل تتكثف الدعوات الدولية القانونية والإنسانية ضد نمط الضربات؟ تنامي هذا المسار سيضغط على شرعية الحملة وقدرتها على الاستمرار سياسياً.  

الخلاصة:

التقدير النهائي هو أن خطاب ترامب الأخير لا يعلن نهاية الحرب، بل يؤسس لمرحلة أشد خطورة منها. هو خطاب مصمم لتثبيت صورة النصر، لكنه في الوقت نفسه يكشف أن واشنطن لم تحصل بعد على النتيجة السياسية التي تريدها، ولذلك تلوّح برفع مستوى الألم إلى الحد الأقصى.  

النتيجة الأهم:

أميركا تملك التفوق. لكنها لا تملك بعد البرهان على الحسم النهائي.

وإيران تلقت ضربات قاسية.

لكنها لم تفقد بعد القدرة على التعطيل والرد.  

وعليه، فالصراع يقف الآن عند عتبة انتقالية:

إما تسوية مفروضة بالقوة، أو حرب استنزاف تتدرج نحو استهداف الدولة والبنية الإقليمية، بما يحول الشرق الأوسط إلى ساحة اضطراب مفتوح لسنوات.

Print This Post

ندرك جيدا أنه لا يستطيع الجميع دفع ثمن تصفح الصحف في الوقت الحالي، ولهذا قررنا إبقاء صحيفتنا الإلكترونية "راي اليوم" مفتوحة للجميع؛ وللاستمرار في القراءة مجانا نتمنى عليكم دعمنا ماليا للاستمرار والمحافظة على استقلاليتنا، وشكرا للجميع للدعم:

الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان. وان لا يزيد التعليق عن 100 كلمة، والا سنعتذر عن عدم النشر.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here