محاولات التتريك وطمس الهوية السورية في الساحل السوري

الدكتور حسن مرهج

في قلب الصراعات الجيوسياسية التي تعصف بالشرق الأوسط، تبرز محاولات تركيا المنهجية لإعادة تشكيل الهوية الثقافية والسياسية للساحل السوري كأحد أبرز التحديات للوحدة السورية، إذ أن هذه المحاولات، التي يمكن وصفها بـ”التتريك”، لا تقتصر على التدخلات العسكرية أو الاقتصادية السطحية، بل تمتد إلى نسيج الهوية الوطنية نفسها، حيث تسعى أنقرة إلى صبغ المنطقة بصبغتها الإيديولوجية والثقافية، مستغلة الفراغ السياسي بعد سقوط نظام الأسد، فالساحل السوري بمكونه العلوي البارز والذي شكل تاريخياً عماد الدولة السورية الحديثة، يُستهدف هنا ليس كمجرد منطقة جغرافية، بل كرمز للهوية السورية الأصيلة، في محاولة لتحويله إلى امتداد للنفوذ التركي يمحو الطابع السوري الوطني.

يأتي تماهي سلطة الجولاني مع السياسات التركية كعامل حاسم في هذه الديناميكية، فالجولاني الذي تحول من قائد جماعي إرهابي إلى زعيم سياسي تعكس تحركاته السياسية اليوم تبعية واضحة لأجندة أنقرة. هذا التماهي ليس مصادفة، بل نتاج استراتيجية تركية مدروسة بدأت منذ تدخلها العسكري في شمال سوريا عام 2016، حيث أصبحت هيئة تحرير الشام، بقيادته، أداة في يد الرئيس رجب طيب أردوغان لفرض نموذج “الدولة الإسلامية المعتدلة” المستوحى من نموذج حزب العدالة والتنمية. من خلال دعم تركي مباشر في التجنيد، التدريب، والتمويل، وبهذا تحولت هيئة الجولاني إلى ذراع تنفيذي ينقل السياسات التركية إلى قلب الساحل، حيث يتم الترويج للبرامج التعليمية والإعلامية التي تُدخل المناهج التركية تدريجياً، مع التركيز على اللغة التركية والقيم السنية المتأثرة بالإخوان المسلمين.

هذه المحاولات التتريكية تتجلى في عدة أبعاد مترابطة، تبدأ بالثقافي وتنتهي بالأمني. ثقافياً، تشهد المنطقة انتشاراً متسارعاً للإعلام التركي، من قنوات تلفزيونية إلى وسائل التواصل الاجتماعي، التي تصور الساحل ليس كجزء من سورية بل كـ أرض إسلامية تركية الأصل، محولة الهوية العلوية من مكون وطني إلى أقلية تحتاج إلى حماية أنقرة، وهذا الطمس المتعمد يهدف إلى تفكيك الذاكرة الجماعية، حيث يُعاد تفسير التاريخ السوري ليصبح امتداداً للعثمانية، مما يقضي على الرواية السورية الوطنية التي بنيت على الاستقلال عن الانتداب الفرنسي والوحدة العربية.

سياسياً، يعمل الجولاني على تطبيع هذا النفوذ عبر الضغط على العلويين في الساحل السوري ومحاولة إفقارهم، والضغط عليهم معيشياً واقتصادياً، وربطاً بذلك فإن محاولة تتريك الساحل يأتي في إطار محاولة تركيا عزل الساحل السوري عن بقية الجغرافية السورية وهنا تكمن الخطورة. هذا النهج يعكس استراتيجية تركيا الأوسع لإنشاء “حزام أمني” يمتد إلى الساحل، يحمي حدودها الجنوبية ويمنحها نفوذاً اقتصادياً عبر مشاريع الإعمار الممولة تركياً، مثل بناء المدارس والمساجد التي تحمل الطابع التركي، ولنتيجة هي تآكل تدريجي لهوية العلويين في الساحل السوري، حيث يُحول الساحل من رمز للوحدة الوطنية إلى منطقة حدودية تابعة، في محاولة للقضاء على “سوريّة السوريين” ككيان سيادي موحد.

في النهاية، تمثل هذه الديناميكية تحدياً وجودياً للسوريين، إذ تتجاوز الصراع الطائفي إلى صراع هوياتي يهدد بتقسيم البلاد إلى كيانات تابعة للقوى الإقليمية. التماهي بين الجولاني وتركيا ليس مجرد تحالف تكتيكي، بل جزء من مشروع إعادة رسم الخريطة السورية، وهذا يتطلب من القوى السورية الوطنية، بكل مكوناتها، صياغة استراتيجية مقاومة تعيد بناء الروابط الوطنية قبل فوات الأوان.

أكاديمي ومحاضر وخبير الشؤون السورية والشرق أوسطية

Print This Post

ندرك جيدا أنه لا يستطيع الجميع دفع ثمن تصفح الصحف في الوقت الحالي، ولهذا قررنا إبقاء صحيفتنا الإلكترونية "راي اليوم" مفتوحة للجميع؛ وللاستمرار في القراءة مجانا نتمنى عليكم دعمنا ماليا للاستمرار والمحافظة على استقلاليتنا، وشكرا للجميع للدعم:

ترحب 'راي اليوم' بآراء الكتاب وتأمل ان لا يزيد المقال عن 800 كلمة مع صورة وتعريف مختصر بالكاتب
الاعلانات

1 تعليق

  1. الدكتور الفاضل
    أكاديمي ومحاضر وخبير الشؤون السوري والشرق أوسطية .
    من البديهيات أن الشخص الذي لا يريد تتريك نفسه ، لا تستطيع قوة على وجه الأرض تريكه .
    تركيا لا تريد تتريك أحد والثقافة التركية قريبة جداً من الثقافات العربية وخصوصا جيران تركيا والأقرب هي سوريا ، نحن تأثرنا بالإخوة السوريين وهم كذلك وهذا عامل مشترك بين الجيران .
    سيدنا الفاضل الكثير من دول العالم المشاركة في حدودها تشترك في ثقافاتها ! مثال جنوب الدنمارك ثقافتين دنماركية والمانية ، سويسرا ثقافات ثلاثة ولغات ثلاث وغيرها من الأمثلة وأنتم دكتورنا الفاضل أعرف منا بهذه الأمور .
    كل الاحترام والتقدير لكم

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان. وان لا يزيد التعليق عن 100 كلمة، والا سنعتذر عن عدم النشر.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here