سارة محمد مرزوڨي
في زمنٍ تُعاد فيه كتابة الذاكرة على إيقاع الانقسام، تبدو الحاجة مُلحّة لإنصاف الرموز التي لم تُخلق لتكون جزءًا من نزاعٍ مبهم، بل لتكون معنى ثابتًا في وجدان الشعوب. ومن بين هذه الرموز، تقف جميلة بوحيرد شامخةً، لا كاسمٍ في سجل الثورة الجزائرية فحسب، بل كضميرٍ حيٍّ لفكرة الكفاح في أنقى تجلياتها.
جميلة بوحيرد ليست مجرد سيرة تُروى، ولا صورة تُرفع في المناسبات. إنها اختزال لمرحلةٍ كانت فيها الحرية تُنتزع من بين أنياب الاستعمار، لا تُمنح عبر بيانات أو تُقايض في صفقات. في زمن حرب التحرير الجزائرية، كانت بوحيرد واحدة من أولئك الذين كتبوا التاريخ بدمهم، لا بحبرهم، وواجهوا آلة القمع الاستعماري بثباتٍ جعل منها رمزًا يتجاوز الجغرافيا.
غير أن المأساة الحقيقية لا تكمن في ما تعرضت له من استعمارٍ غاشم، بل في ما تتعرض له اليوم من محاولات إعادة تأويل، تُقزّم هذا الرمز وتُخضعه لمنطق الاصطفاف السياسي الضيق. حين يُختزل تاريخ بوحيرد في سياق من كرّمها أو من اختلف معها، فإننا لا نُهينها بقدر ما نُهين ذاكرتنا الجماعية، ونُعلن عجزنا عن التمييز بين الرمز والتوظيف.
إن ربط قيمة بوحيرد بأي نظام سياسي، أياً كان، هو اختزال مخلّ، لأن الرموز الكبرى لا تُقاس بمن يقترب منها، بل بما تمثّله في ذاتها. وبهذا المعنى، فإن تكريمها من قبل أي جهة لا يُضيف إليها شرعية، كما أن أي إساءة لها لا تنتقص منها. فهي تنتمي إلى طبقةٍ من الرموز التي تجاوزت حدود الأنظمة، وصارت ملكًا للوجدان الإنساني.
لقد أدركت النخبة الثقافية العربية في زمنٍ مضى هذه الحقيقة، فكتب عنها نزار قباني قصائد جعلت منها أيقونةً للكرامة، وغنّت لها فيروز بصوتٍ حوّل نضالها إلى نشيدٍ يتردد في الذاكرة العربية. يومها، لم يكن السؤال: من كرّم جميلة؟ بل: ماذا تمثّل جميلة؟
اليوم، انقلب السؤال.
وهنا يكمن الخلل.
إن إنصاف جميلة بوحيرد لا يكون بالدفاع عنها بوصفها “ضحية إساءة”، بل بإعادتها إلى مكانها الطبيعي: كرمزٍ للتحرر لا يُختزل، وكذاكرةٍ لا تُصادر. إنصافها هو أن نرفض إدخالها في معارك لا تخصها، وأن نُبقيها في فضائها الذي وُلدت فيه: فضاء الكفاح الإنساني ضد الظلم، أيًّا كان شكله.
ثم إن الدفاع عن بوحيرد هو، في جوهره، دفاع عن معنى أوسع:
هل ما زال بإمكاننا الاحتفاظ برموزٍ جامعة في زمن التشظي؟
أم أننا محكومون بإعادة تفكيك كل ما هو مشترك، حتى لا يبقى لنا سوى ذاكرةٍ ممزقة، تعكس انقساماتنا أكثر مما تعكس تاريخنا؟
جميلة بوحيرد لا تحتاج إلى من يمنحها القيمة، فهي قيمة قائمة بذاتها.
لكننا نحن، من نحتاج إلى إعادة اكتشافها… لا كاسمٍ في الماضي، بل كمعيارٍ نقيس به قدرتنا على احترام تاريخنا دون أن نُخضعه لأهواء الحاضر.
في النهاية، قد تنجح السياسة في تشويه الصور، لكنها تعجز عن طمس المعاني.
وجميلة بوحيرد… كانت، وما تزال، معنى لا يُمس.


نعم، جميلة بوحيرد، كل ما كتب عنها في المقال يبصم عليه،، وتؤيده الذاكرة الجماعية المشبعة بما في المخيال الاجتماعي الحي، النضالي لهذه الامة،،،
ولا ينفي هذا أن جميلة بوحيرد، كانت أول من خدش هذه الصورة الجميلة التي كانت لها نظرا لمواقفها الإيديولوجية التالية على مرحلة الثورة والاستقلال.
فقد تهجمت في ثمانينيات القرن الماضي على القوميين في الوطن العربي، وهذا طعن لظهر الثورة الجزائرية، ولم يكن ذلك متزامنا مع إسقاط حكم الراحل بن بلة، رحمه الله تعالى،،وانتماؤه الناصري..!
أما موقف جميلة بوحيرد المنحاز للثورة الصينية، تجاوز بها تخوم تاريخها الكفاحي، نظرا لتهجمها على جمال عبد الناصر،، فقد هتك لعاب لسانها الشال فوق تاجها النضالي…
ومأساة رموز الثوار في المغرب العربي، كما في المشرق العربي،، هو العيش على رصيدهم الكفاحي السابق، مثلها زعماء امتطوا
قارب النضال العربي في المغرب، والجزائر، وتونس، وليبيا، وتونس، ومصر، وسورية، والعراق، واليمن،، وهم مجمل الرؤساء الذين عاشوا على مرحلة التحرر السابقة..
بينما المواقف التالية لهم، كانت بمثابة سوس، أسقط الميسات التي توكئوا عليها تاليا في هذا الزمن العربي المغتصهين..
مع كامل الود، والاحترام للكاتبة المبدعة،، ولجميلة بوحيرد…ولمكافحي الزمن العربي الجميل…