د. فياض العبد قازان
هناك العديد من المؤسسات البحثية الستراتيجية Think Tanks الموجودة في واشنطن العاصمة، أو في القرب منها تقدم خدماتها إلى الرئيس الأمريكي، أو إلى وزارة الحرب، ووزارة الخارجية، وإلى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)! من المدهش أن الكثير من تلك المؤسسات البحثية الستراتجية التي كانت تزدهر ماليا لقاء الخدمات التي كانت تقدمها عن الإتحاد السوفييتي لدوائر القرار السياسي الأمريكي لم تتنبئء أية مؤسسة من تلك المؤسسات بقرب انهيار دولة الإتحاد السوفييتي الذي فاجأ بإنهياره معظم دوائر القرار الأمريكية والغربية ولكن لا يجب ان يكون ذلك الإنهيار السوفيتي مفاجئا لتلك الإدارات البحثية الستراتيجية لأن تلك الوظيفة البحثية الإستشرافية لمصير الدول او الأمم كانت مهمتها الرئيسة!
لم يكن في مصلحة تلك المؤسسات نشر الحقيقة!
لقد قرأت في كتاب “لعبة الأممGame of nations” لمؤلفه مايلز كوبلاند قصة النموذج البشري الذي ابتكرته وزارة الخارجية الأمريكية لشخصية الرئيس المصري جمال عبد الناصر. لقد كانوا يسألون ذلك النموذج عن رد الفعل الذي يمكن أن يقوم به الرئيس ناصر لو أن الحكومة الامريكية قررت عدم تمويلها لمشروع السد العالي! وما هو رد فعل الرئيس المصري المتوقع لو مارست الولايات المتحدة الضغوط عليه! لقد عحزوا عن التنبوء بقرار الرئيس ناصر تأميم قناة السويس لتمويل عملية بناء السد العالي حينما رفضت الولايات المتحدة تمويل ذلك المشروع! كما فشلوا في التنبوء برد فعل الرئيس ناصر حينما مارس السفير الأمريكي الضغوط السياسية عليه كي يسير في سياساته وفق السياسة الأمريكية يومها! لقد كان رد الرئيس المصري غريبا جدا وغير متوقعا البته من جانب الأمريكيين! حيث قال الرئيس ناصر في أحد خطبه: “إن السفير الأميركي أراد ان يضع شروطا للمساعدة الأمريكية لمصر، وقد رفضت تلك الشروط، وإذا لم يعجب السفير الأميركي رفضي لتلك الشروط الأمريكية يمكنه أن يشرب مياه البحر الأحمر، وإذا لم تكن مياه البحر الأحمر كافية بالنسبة إليه، يمكنه أن يشرب مياه البحر الأبيض أيضا! ولم تتوقع إدارة الرئيس الأميركي ليندون جنسون رد فعل الرئيس ناصر على الطلب الأميركي بعدم إرسال أسلحة مصرية إلى ثوار الكونغو، وقد هاجم الرئيس المصري السياسة الأمريكية تجاه إيران التي أصبحت مستعمرة أمريكية، وفق قول الرئيس ناصر في خطابه يومها! هكذا لم يتوقع واضعوا السياسة الأمريكية رد فعل الرئيس المصري على طلب السفير الأميركي الذي حاول الضغط على الرئيس ناصر للسير وفق إملاءات السياسة الأمريكية وفشل!
لقد عبرت صحيفة الواشنطن بوست عن استياء وكالة المخابرات الأمريكية (CIA) نتيجة افتقارها للمعلومات عن الوضع اللبناني بعد انتقال منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت إلى تونس!
إني أعتقد ان لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية المبررات لذلك القلق حيث ان الوضع اللبناني كان قد تغير جذريا ونوعيا بعد رحيل منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت حيث برز العامل الإسلامي الشيعي المدعم من الحرس الثوري الإيراني الذي تصدى مع منظمة أمل الشيعية، وجنود الجيش السوري، ورجال منظمة التحرير الفلسطينية للتقدم الإسرائيلي نحو احتلال مطار بيروت في 6 يونيو، حزيران سنة 1982!
إن التدخل الإيراني في لبنان، الذي جاء نتيجة الغزو الإسرائيلي لبيروت ولكافة مدن الجنوب اللبناني برعاية امريكية، وبتواطئء قوى المارونية السياسية في لبنان، ارتقى ذلك التدخل الإيراني بمستوى المقاومة الإسلامية في لبنان نوعيا خاصة بعد بروز حزب الله على الساحة اللبنانية!
إن الدوائر الإسرائيلية والأمريكية والغربية المتصلة بحلف النيتو (NATO) لم تنتبه إلى متغير نوعي برز على الساحة اللبنانية آنذاك وهو عامل المقاومة الإستشهادية الذي أدى بيوم واحد إلى إجبار الولايات المتحدة وقوى حلف الناتو إلى مغادرة لبنان، إن لم يكن الهروب منه، بين ليلة وضحاها نتيجة ضربات استشهادية او انتحارية تلقتها القوات الأمريكية، وقوات حلف الناتو بشكل متزامن اجبرتها جميعها على الهروب من لبنان!
إن التغيير الثوري المقاوم الذي حدث على الساحة اللبنانية فاجأ جميع القوى الإسرائيلية، والأمريكية، والغربية وجعلها عاجزة عن فهم ما حدث في لبنان بالسرعة اللازمة! إن العامل الإسلامي الإستشهادي الذي برز على الساحة اللبنانية بعد رحيل منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت أربك دوائر القرارات السياسية الإسرائيلية، والأمريكية لأنها أصبحت فجأة في ساحة، او في ميدان قتال جديد لم تعهده من قبل!
إني أعتقد ان روح سنة 1983 التي اجبرت القوات الإسرائيلية، والأمريكية، والغربية على الرحيل السريع من لبنان تنبثق اليوم من جديد في إيران، وفي العراق، واليمن، وفي لبنان في الوقت ذاته، أي بشكل متزامن لا تستطيع دوائر اتخاذ القرارت في إسرائيل وفي امريكا التعامل معه بفعالية وبنجاح! إنها ظاهرة الإستشهاد الكربلائية التي لم يعرف النظام الإسرائيلي، والنظام الأمريكي التعامل معها بفعالية ونجاح حتى اليوم!
إن لغة صفقات المقاولات المتصلة بالعقارات والمناورات، والمفاوضات، والمساومات التي تعود الساسة الأمريكيون والإسرائيليون عليها لا تجدي نفعا مع المتبعون لنهج الإستشهاد الكربلائي الذين لا يكترثون لمعادلات الحسابات الرأسماليةInput Output Analysis and other Accounting Procedues of
Wall Street
shares and bonds.
لقد لجأت الولايات المتحدة إلى استراتيجية تغيير النظام الذي اتبعته في العراق، وفي فنزويلا وفي غيرهما من الدول! لكن الجمهورية الإسلامية في إيران ليست جمهورية موز في امريكا اللاتينية، والمرشد الإسلامي الشهيد الراحل لم يكن كصدام حسين، وليست إيران مساوية بحجمها الجغرافي وبعمقها الستراتيجي لدولة العراق. كما ان للجمهورية الإسلامية في إيران وفي خارجها، أي في العراق، وفي لبنان، وفي اليمن محورا لن يتخلى عنها! كما ان النظامين الأمريكي والإسرائيلي لا يصلحان مطلقا أن يكونا نموذجين براقين محررين للشعب الإيراني إذا ما تذكرنا السجل التاريخي القاتم والقذر للنظامين في دعم نظام الشاه الطغياني البائد، وفي إقامة نظام العقوبات الأمريكية الجائر الذي ما زال الشعب الإيراني يعاني منه! ثم إن هدف الرئيس الأميركي العنصري المعلن بإعادة إيران إلى العصر الحجري لا يمكن ان يكون براقا وجذابا لأي إيراني شريف مهما كانت ميوله!
ثم إن نموذج الحياة الأمريكية القائم على الفراغ الروحي، والمادية، واللذة الحسية المفرطتين اللتان تجعلان حوالي 50 ألف مواطن امريكي ينتحرون، او يموتون سنويا بسبب جرعات المخدرات الزائدة لا تجعل النظام الأمريكي براقا، او نموذجا صالحا لأي إنسان عقلاني خاصة إذا تذكرنا قول المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي في تعليقه على جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبتها الولايات المتحدة في حرب فيتنام: “إن الولايات المتحدة لم تمر بمرحلة الحضارة. لقد انتقلت من مرحلة الهمجية إلى مرحلة الإنحلال!” ثم إن رعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب لجرائم حرب رئيس الوزراء الإسرائيلي في غزه، وفي لبنان، وفي إيران، وعملية انتخاب الرئيس ترامب ذاته كشخص معتوه، وفق كتاب مؤلف من مجموعة من أطباء النفس الأمريكيين، وكمجرم Fellon مرتكب جرائم جنائية، وفق إحدى محاكم مدينة نيويورك، وعلاقته مع تاجر جنس القاصرات تجفري إبشتاين، وعملية انتخابه ذاتها بعد قيادته لعملية تمرد ضد النظام السياسي الأميركي ذاته، ورعايته لجرائم الحرب الإسرائيلية في غزة، وفي إيران، وفي لبنان تبين درجة تفاقم الإنحدار الأخلاقي للنظام الأمريكي الذي لا يمكن أن يصلح نموذجا جيدا لأي مجتمع إنساني، عقلاني، اخلاقي وديمقراطي!
مؤلف وخبير في الاتصال الدولي والتنمية المستدامة.
واشنطن العاصمة. [email protected]


التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان. وان لا يزيد التعليق عن 100 كلمة، والا سنعتذر عن عدم النشر.