محمد أحمد سهيل المعشني: القرار العُماني: حين يصبح الحياد أعلى درجات القوة

محمد أحمد سهيل المعشني

في لحظات الاختبار الكبرى، لا تنكشف قوة الدول بترساناتها، بل بقدرتها على اتخاذ موقف لا تُجبر عليه. هذه هي النقطة التي يفشل كثيرون في فهمها عند قراءة القرار العُماني؛ إذ لا يزال الحياد في المخيال السياسي العربي يُختزل بوصفه منطقة رمادية بين طرفين، بينما هو في حقيقته—حين يُمارس كما ينبغي—فعل سيادي مكتمل، لا يقل حسمًا عن الحرب نفسها.

المفارقة أن كثيرًا من دول المنطقة لا تعاني من نقص في القوة، بل من فائض في الاندفاع غير المحسوب. الاصطفاف السريع، التصعيد اللفظي، واستدعاء التحالفات كبديل عن القرار المستقل، كلها أعراض لخلل أعمق: عجز عن إنتاج موقف خارج إملاءات اللحظة. وهنا تحديدًا، لا يبدو الحياد العُماني استثناءً دبلوماسيًا، بل تصحيحًا لمسار مختل.

هذا النهج لم يولد من فراغ. فمنذ قيام الدولة البوسعيدية عام 1744، مرورًا باتفاقيتها المبكرة مع الولايات المتحدة عام 1833، ووصول السفينة “سلطانة” إلى نيويورك عام 1840، تشكّل لدى عُمان وعي سياسي مختلف: الانخراط في العالم دون الذوبان فيه. هذه ليست سردية تاريخية للتزيين، بل بنية ذهنية تحكم القرار حتى اليوم.

في المقابل، يكشف الواقع الإقليمي عن نموذج يتكرر بصمت: دول تُراكم أدوات القوة، لكنها تُفرّغ قرارها منها تدريجيًا. ترفع سقف خطابها السيادي، لكنها تربط أمنها العملي بمظلات خارجية لا تتحكم في توقيت تفعيلها ولا في كلفة استخدامها. تبدو في ظاهرها شريكًا في صناعة التوازن، لكنها في لحظات الحسم تتحول إلى ساحة لتصفية توازنات الآخرين. هنا لا يكون الخلل في الموارد، بل في تعريف السيادة نفسها.

ضمن هذا السياق، لا يُقرأ الحياد العُماني بوصفه تجنبًا للصراع، بل إدارة واعية له من خارج منطقه التقليدي. فعُمان لا تدخل الأزمات لتنتصر على طرف، بل لتمنع تحوّلها إلى معادلة صفرية خاسرة للجميع. ولهذا لم تكن وسيطًا بالمعنى الإجرائي، بل فاعلًا يعيد ضبط إيقاع الصراع نفسه—وهو دور لا يتاح إلا لمن يملك مسافة كافية عن الاستقطاب، وثقة كافية في قراره.

أما في اختبار النظام الدولي، فإن الصورة أكثر وضوحًا. ما يجري في غزة لا يكشف فقط حدود القانون الدولي، بل يكشف طبيعته الانتقائية حين تتعارض النصوص مع موازين القوة. في مثل هذا المشهد، لا يصبح الانحياز دليلاً على الموقف، بل أحيانًا دليلًا على الوقوع داخل معادلة أكبر من قدرة الفاعل على التحكم بمخرجاتها. وهنا يتجلى البعد الأعمق للقرار العُماني: حماية الموقف من أن يُستدرج إلى صراعات تُدار من خارجه.

وفي مضيق هرمز، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الاقتصاد العالمي، يظهر الفارق بين من يتعامل مع الممرات المائية كأدوات ضغط، ومن يدرك أنها شرايين لا تحتمل المغامرة. عسكرة المضائق قد تمنح إحساسًا لحظيًا بالقوة، لكنها في الواقع تعبير عن عجز في إدارة التوازن طويل الأمد. لذلك تتحرك مسقط بمنطق مختلف: ليس نزع الصراع من الجغرافيا، بل منع الجغرافيا من التحول إلى منصة ابتزاز متبادل.

اللافت أن هذا النموذج غالبًا ما يُساء فهمه لأنه لا ينسجم مع إيقاع اللحظة. هو لا يقدّم انتصارات سريعة، ولا يصنع عناوين صاخبة، لكنه يحقق ما هو أكثر ندرة: القدرة على البقاء خارج حروب تُخاض بأدواته وعلى أرضه دون أن تكون قراراته بيده. وهذه، في عالم اليوم، ليست سياسة تحفظية… بل إحدى أكثر الاستراتيجيات تقدمًا.

في النهاية، لا يكمن السؤال في ما إذا كان الحياد العُماني موقفًا أخلاقيًا أو خيارًا تكتيكيًا، بل في شيء أبعد: هل ما زال بالإمكان إنتاج قرار سيادي خارج منطق الاصطفاف الحاد؟ عُمان تقدّم إجابة عملية على هذا السؤال—لا عبر الخطاب، بل عبر الممارسة. وفي زمن تتآكل فيه الفروق بين الفعل ورد الفعل، يصبح هذا النهج ليس استثناءً… بل اختبارًا صامتًا لمدى استقلالية الآخرين.

ظفار -سلطنة عمان

للمتابعة والاطلاع على أرشيف الكاتب:

https://muckrack.com/mohammed-almaashani

Print This Post

ندرك جيدا أنه لا يستطيع الجميع دفع ثمن تصفح الصحف في الوقت الحالي، ولهذا قررنا إبقاء صحيفتنا الإلكترونية "راي اليوم" مفتوحة للجميع؛ وللاستمرار في القراءة مجانا نتمنى عليكم دعمنا ماليا للاستمرار والمحافظة على استقلاليتنا، وشكرا للجميع للدعم:

الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان. وان لا يزيد التعليق عن 100 كلمة، والا سنعتذر عن عدم النشر.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here